الاتحاد الإفريقي وموريتانيا… بين عمق الانتماء الإفريقي وتحديات المستقبل

بقلم: أحمد محمد حماده – كاتب ومحلل سياسي
في الخامس والعشرين من مايو من كل عام، تستحضر الشعوب الإفريقية واحدة من أهم المحطات في تاريخها السياسي الحديث، وهي ذكرى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية التي تحولت لاحقاً إلى الاتحاد الإفريقي. وهي مناسبة لا ترتبط فقط بذكرى إنشاء منظمة قارية، بل تحمل في عمقها رمزية مرحلة كاملة من النضال الإفريقي ضد الاستعمار، ومحاولات بناء مشروع وحدوي يجمع شعوب القارة على أساس التضامن والمصير المشترك.
حين اجتمع القادة الأفارقة سنة 1963 في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، كانت إفريقيا تعيش مرحلة دقيقة من تاريخها؛ دول تستعيد استقلالها تباعاً، وشعوب تحاول الخروج من إرث طويل من الهيمنة الأجنبية والانقسامات التي خلفها الاستعمار. في ذلك المناخ وُلدت فكرة منظمة الوحدة الإفريقية كإطار سياسي يجمع الدول المستقلة حديثاً، ويمنح القارة صوتاً موحداً في عالم كان يُعاد تشكيله على وقع الحرب الباردة والصراعات الدولية.
وقد ارتبطت تلك المرحلة بأسماء قادة تركوا أثراً واضحاً في الوعي الإفريقي، مثل كوامي نكروما، وجمال عبد الناصر، وهيلا سيلاسي، الذين رأوا في الوحدة الإفريقية ضرورة تاريخية، لا مجرد خيار سياسي عابر. لذلك لعبت المنظمة منذ سنواتها الأولى دوراً بارزاً في دعم حركات التحرر الوطني، وساندت الشعوب التي كانت ما تزال ترزح تحت الاستعمار أو أنظمة الفصل العنصري، خصوصاً في الجزائر وأنغولا وموزمبيق، كما كان لها موقف واضح من نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا إلى أن سقط ذلك النظام مع وصول نيلسون مانديلا إلى الحكم.
ورغم الرمزية الكبيرة التي حملتها منظمة الوحدة الإفريقية، فإنها واجهت انتقادات كثيرة بسبب محدودية تأثيرها في حل النزاعات الداخلية التي شهدتها القارة، خاصة أن مبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول” جعلها عاجزة في أحيان عديدة عن التعامل مع الحروب الأهلية والانقلابات والصراعات المسلحة التي عصفت بعدد من البلدان الإفريقية خلال عقود طويلة.
ومع نهاية الحرب الباردة وبروز تحديات جديدة، بدا واضحاً أن القارة بحاجة إلى إطار أكثر فاعلية وقدرة على مواكبة التحولات السياسية والاقتصادية العالمية، فتم الإعلان سنة 2002 عن تأسيس الاتحاد الإفريقي ليكون امتداداً أكثر تطوراً لمنظمة الوحدة الإفريقية، وليعكس انتقال إفريقيا من مرحلة التحرر السياسي إلى مرحلة البحث عن التكامل والتنمية وبناء المؤسسات المشتركة.
ومنذ ذلك الوقت، سعى الاتحاد الإفريقي إلى بناء هياكل مؤسساتية أكثر تنظيماً، فأنشأ مجلس السلم والأمن، والبرلمان الإفريقي، ومحكمة العدل الإفريقية، إضافة إلى مفوضية الاتحاد الإفريقي التي تُعد الجهاز التنفيذي للاتحاد. كما تبنى مشاريع اقتصادية وتنموية كبرى، من أبرزها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية التي تُعتبر واحدة من أكبر مشاريع التكامل الاقتصادي في العالم.
ويقوم الاتحاد الإفريقي على مجموعة من المؤسسات التي تشكل العمود الفقري للعمل الإفريقي المشترك، وفي مقدمتها مؤتمر رؤساء الدول والحكومات الذي يُعد أعلى هيئة لاتخاذ القرار داخل الاتحاد، حيث تُرسم فيه التوجهات الكبرى المتعلقة بالقضايا السياسية والأمنية والتنموية. كما تضطلع مفوضية الاتحاد الإفريقي بدور الجهاز التنفيذي الذي يتولى متابعة تنفيذ القرارات والبرامج القارية، بينما يُعتبر مجلس السلم والأمن من أبرز المؤسسات الإفريقية المعنية بمتابعة الأزمات والنزاعات ومحاولات حفظ الاستقرار داخل القارة. ويضم الاتحاد كذلك البرلمان الإفريقي الذي يهدف إلى تعزيز المشاركة السياسية والتشاور بين الشعوب الإفريقية، إضافة إلى محكمة العدل الإفريقية والمؤسسات الاقتصادية والمالية التي تسعى إلى دعم التكامل الاقتصادي والتنموي بين الدول الأعضاء. وقد شكّلت هذه المؤسسات محاولة لبناء إطار قاري أكثر تنظيماً وفاعلية، يعكس تطور فكرة العمل الإفريقي المشترك من مجرد التنسيق السياسي إلى بناء مؤسسات قادرة على مواكبة تحديات القارة الحديثة.
ويبرز كذلك البنك الإفريقي للتنمية باعتباره من أهم المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بالعمل الإفريقي المشترك، حيث لعب دوراً مهماً في تمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة والزراعة والتعليم والنقل داخل القارة، وساهم في دعم عدد من الدول الإفريقية لمواجهة الأزمات الاقتصادية والتنموية، رغم ما تزال تواجهه القارة من تحديات تتعلق بالفقر وضعف التمويل وتفاوت القدرات الاقتصادية بين الدول.
ورغم الطموحات الكبيرة التي رافقت تأسيس الاتحاد الإفريقي، فإن الكثير من أهدافه ما يزال بعيد المنال. فالقارة الإفريقية ما تزال تواجه أزمات أمنية معقدة، وانتشاراً للجماعات المسلحة، وتصاعداً في وتيرة الانقلابات العسكرية، إلى جانب أزمات الفقر والبطالة والهجرة غير النظامية والتدخلات الخارجية. كما أن فكرة الوحدة الإفريقية نفسها تصطدم أحياناً بحسابات المصالح الوطنية الضيقة، وضعف التنسيق السياسي بين الدول، فضلاً عن اعتماد الاتحاد مالياً بدرجة كبيرة على الشركاء الخارجيين، وهو ما يثير تساؤلات متكررة حول استقلالية القرار الإفريقي.
وبالنسبة لـ موريتانيا، فقد ظل البعد الإفريقي حاضراً في سياستها الخارجية منذ الاستقلال، رغم تعقيدات الموقع الجغرافي وتشابك الانتماءين العربي والإفريقي. وقد لعب الرئيس المؤسس المختار ولد داداه دوراً مهماً في ترسيخ حضور موريتانيا داخل الفضاء الإفريقي، وكان من الأصوات الداعية إلى التعاون بين الدول الإفريقية وتعزيز التضامن بينها، كما سعى إلى تقديم موريتانيا باعتبارها جسراً بين العالم العربي وعمقها الإفريقي.
وفي مرحلة الرئيس الأسبق محمد خونا ولد هيداله، ارتبط اسم موريتانيا بإحدى المحطات السياسية اللافتة في تاريخ القارة، حين أُطيح به سنة 1984 أثناء مشاركته في قمة منظمة الوحدة الإفريقية بمدينة بوجمبورا، في حادثة ظلت حاضرة في الذاكرة السياسية الموريتانية والإفريقية معاً.
أما في عهد معاوية ولد سيد أحمد الطايع، فقد اتجهت السياسة الخارجية الموريتانية بصورة أوضح نحو تعزيز الحضور العربي، من خلال توثيق العلاقات مع الدول العربية وتقوية حضور موريتانيا داخل جامعة الدول العربية، وهو ما جعل بعض المتابعين يعتبرون تلك المرحلة أكثر ميلاً إلى الفضاء العربي، دون أن يعني ذلك انقطاع العلاقة مع العمق الإفريقي أو الغياب عن مؤسسات الاتحاد الإفريقي وقضاياه.
وشكّل تولي محمد ولد عبد العزيز الرئاسة الدورية لـ الاتحاد الإفريقي سنة 2014 محطة بارزة في الحضور الدبلوماسي الموريتاني داخل القارة، حيث جاءت تلك الرئاسة في ظرف إقليمي معقد اتسم بتصاعد التهديدات الأمنية في منطقة الساحل، وانتشار الجماعات المسلحة، وتزايد المخاوف المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية. وخلال تلك المرحلة، سعت موريتانيا إلى تقديم نفسها كطرف فاعل في جهود تعزيز الأمن والاستقرار داخل القارة، مع التركيز على أهمية التنسيق الإفريقي لمواجهة التحديات المشتركة. كما شهدت تلك الفترة حضوراً موريتانياً لافتاً في الملفات المتعلقة بالسلم والأمن والتنمية، وهو ما منح نواكشوط مكانة دبلوماسية أكثر حضوراً داخل المؤسسات الإفريقية، وعكس رغبة موريتانيا في لعب دور يتجاوز حدودها الجغرافية نحو مساهمة أوسع في القضايا القارية.
وفي السنوات الأخيرة، واصلت موريتانيا تعزيز حضورها داخل القارة، خصوصاً في ظل قيادة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي عمل على تكريس سياسة خارجية تقوم على دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز الشراكات الإفريقية، خاصة في منطقة الساحل، مع الحفاظ على خطاب دبلوماسي متوازن يقوم على الحوار والتنسيق والتعاون المشترك.
ورغم كل ما يحيط بالقارة من أزمات وتعقيدات، فإن إفريقيا ما تزال تمتلك فرصاً هائلة للنهوض، بما تملكه من ثروات طبيعية وطاقات بشرية شابة وإمكانات اقتصادية كبيرة. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس يظل مرتبطاً بقدرة الدول الإفريقية على بناء مؤسسات قوية، وتعزيز التكامل الاقتصادي والسياسي، وتجاوز الصراعات والانقسامات التي عطلت مشاريع الوحدة لعقود طويلة.
وفي ذكرى الخامس والعشرين من مايو، لا يبدو الحديث عن الاتحاد الإفريقي مجرد استحضار لماضٍ نضالي، بل هو حديث عن مستقبل قارة ما تزال تبحث عن مكانها الحقيقي في العالم، وعن مشروع وحدوي لم يفقد بريقه رغم كل الصعوبات. فإفريقيا التي نجحت يوماً في كسر قيود الاستعمار، ما تزال اليوم مطالبة بخوض معركة أخرى أكثر تعقيداً… معركة بناء الدولة القوية، وتحقيق التنمية، وصناعة القرار الإفريقي المستقل.







