من رفاق النضال إلى مفترق الطرق.. هل يطوي السنغال صفحة الثنائية السياسية؟

أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي
في السياسة، ليست لحظة الوصول إلى السلطة هي الاختبار الأصعب، وإنما تبدأ الامتحانات الحقيقية بعد الوصول إليها. فالمعارضة توحدها الأهداف الكبرى، أما الحكم فتفرق بين مكوناته التفاصيل اليومية، وحسابات الدولة، وتعقيدات إدارة المصالح. ولعل هذا ما يبدو أنه يحدث اليوم في السنغال، حيث أخذت العلاقة بين الرئيس باسيرو ديوماي فاي وحليفه التاريخي عثمان سونكو منحى مختلفاً عما عرفته البلاد خلال السنوات الماضية.
فإذا صحت الأنباء المتداولة بشأن إعلان الرئيس تأسيس حزب سياسي جديد، فإن الأمر يتجاوز بكثير مجرد إضافة اسم جديد إلى سجل الأحزاب السنغالية. نحن أمام محطة قد تعيد صياغة التوازنات التي قامت عليها السلطة منذ انتخابات 2024، وربما تؤسس لمرحلة سياسية جديدة تنتهي فيها الثنائية التي قادت مشروع التغيير.
لقد نجح ديوماي فاي وسونكو في تقديم صورة نادرة في السياسة الإفريقية؛ قائد جماهيري يتمتع بحضور شعبي واسع، ورئيس حمل مشروع ذلك القائد إلى قصر الرئاسة في ظروف استثنائية فرضتها قرارات القضاء. يومها بدا الرجلان وكأنهما وجهان لمشروع واحد، حتى إن كثيراً من السنغاليين لم يكونوا يفرقون بين شرعية الرئيس وشرعية الزعيم السياسي الذي مهّد الطريق أمامه.
لكن الدولة لها منطقها المختلف. فالرئيس، بمجرد دخوله القصر، لم يعد مسؤولاً أمام أنصاره فقط، بل أصبح مسؤولاً عن دولة كاملة، بمؤسساتها، وتوازناتها، وشركائها الإقليميين والدوليين، بينما ظل سونكو يتحرك بعقلية الزعيم الحزبي الذي يقيس الأمور بميزان الوفاء للمشروع السياسي الذي التف حوله آلاف الشباب. ومن هنا بدأت المسافة تتسع بين منطق الحكم ومنطق المعارضة، حتى وإن اجتمعا تحت راية واحدة.
وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن هذه التطورات مع إعادة ترتيب مؤسسات الدولة، وإعادة تشكيل الحكومة، وتصاعد الحديث عن اختلاف في الرؤى بشأن إدارة المرحلة. ففي كثير من التجارب الديمقراطية، تبدأ الخلافات عندما يتحول سؤال “كيف نصل إلى السلطة؟” إلى سؤال أكثر تعقيداً: “كيف تُدار السلطة؟”
وإذا كان الرئيس قد اختار بالفعل تأسيس إطار حزبي مستقل، فإن الرسالة السياسية تبدو واضحة؛ فهو يسعى إلى بناء شرعية سياسية خاصة به، لا تستند فقط إلى نتائج الانتخابات، وإنما إلى تنظيم قادر على حماية خياراته، وتوفير قاعدة ولاء مستقلة عن أي مركز نفوذ آخر.
غير أن هذا الخيار، مهما كانت دوافعه، لن يكون بلا تكلفة. فالسنغال التي احتفت قبل عامين بوحدة قوى التغيير قد تجد نفسها أمام مشهد جديد تتوزع فيه الولاءات بين رئيس الجمهورية والزعيم الذي ظل لسنوات عنواناً للمعارضة. والانقسام، إن وقع، لن يكون مجرد خلاف بين شخصين، بل قد يمتد إلى المنتخبين المحليين، والبرلمانيين، والكوادر الحزبية، وحتى القواعد الشعبية التي صنعت الانتصار الانتخابي.
وربما تكمن خصوصية الحالة السنغالية في أن هذا التحول يحدث داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات رسوخاً في غرب إفريقيا، في وقت تعيش فيه المنطقة على وقع الانقلابات العسكرية والانتقالات المضطربة. ولذلك فإن قدرة داكار على إدارة هذا الخلاف داخل المؤسسات ستكون موضع متابعة ليس من السنغاليين وحدهم، بل من مختلف العواصم الإفريقية والدولية التي تنظر إلى السنغال باعتبارها استثناءً ديمقراطياً في محيط إقليمي مضطرب.
ومع ذلك، فإن السياسة لا تعرف الأحكام النهائية. فالخلافات التي تبدو اليوم عميقة قد تتحول غداً إلى تسويات جديدة، كما أن التحالفات التي تبدو راسخة قد تتبدل مع تغير موازين القوى. لذلك، قد يكون من المبكر الحديث عن نهاية العلاقة بين ديوماي فاي وسونكو بقدر ما يمكن الحديث عن بداية مرحلة مختلفة في طبيعة تلك العلاقة، عنوانها إعادة توزيع النفوذ أكثر من القطيعة الكاملة.
وفي تقديري، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المراقبين ليس فقط: هل سيؤسس الرئيس حزباً جديداً؟ بل: أي نموذج للحكم تريد السنغال أن تبنيه بعد انتصار مشروع التغيير؟ هل ستنتصر المؤسسات على الشخصيات؟ وهل تستطيع التجربة السنغالية أن تثبت مرة أخرى أن الديمقراطية لا تُقاس بغياب الخلاف، وإنما بقدرة الفاعلين السياسيين على إدارة خلافاتهم دون أن يدفع الوطن ثمنها؟
قد تكون الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة عن هذه الأسئلة، لكن المؤكد أن السنغال تقف اليوم عند مفترق سياسي جديد، وأن ما يجري فيها ليس حدثاً حزبياً عابراً، بل فصل جديد في قصة انتقال بلد اختار أن يجعل من السياسة ساحة للتنافس الديمقراطي، لا مدخلاً إلى الفوضى. وفي ذلك تكمن أهمية ما يحدث اليوم، ليس بالنسبة للسنغال وحدها، بل بالنسبة لغرب إفريقيا بأسرها.







