موريتانيا والسيادة الرقمية

ياسمين هلالى / الأمين العام للمنتدى المصري الموريتانى للصداقة والتعاون
فى خطوة جديدة لتعزيز السيادة الموريتانية فى المجال الرقمي، دشنت وزارة التحول الرقمي وعصرنة الإدارة فى أواخر يونيو الماضي (2026) أول منصة سحابية وطنية لاستضافة البيانات والخدمات الرقمية داخل البلاد، بهدف توفير بيئة رقمية آمنة لاستضافة البيانات الحكومية والخدمات الإلكترونية اعتمادًا على القدرات الذاتية وتقليص الاعتماد على البنى التحتية الرقمية المستضافة خارج موريتانيا، وهو ما من شأنه تعزيز الأمن السيبرانى للدولة ودعم جهود مؤسساتها نحو استكمال عملية التحول الرقمي.
ولم يأت إطلاق هذه المنصة السحابية الوطنية من فراغ وإنما جاء فى إطار الرؤية الموريتانية التي أطلقها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزوانى في مجال السيادة الرقمية، والتي ترتكز على خمسة محاور أساسية، هي: إطار تشريعي حديث، وبنية تحتية رقمية متطورة، وتعزيز الأمن السيبراني، وتنمية الكفاءات البشرية، وصون القيم الثقافية في الفضاء الرقمي.
وفى إطار هذه الرؤية الشاملة بدأت الحكومة الموريتانية في اتخاذ حزمة من الإجراءات فى هذا الخصوص مثلت ركائز سياستها لتأكيد سيادتها الرقمية، والتي يمكن أن نُجملها فيما يأتي:
1- البناء المؤسسي، من خلال إنشاء وزارة مستقلة للتحول الرقمي عام 2021 أُطلق عليه “وزارة التحول الرقمي وعصرنة الإدارة”، مكلفة برسم السياسات والاستراتيجيات المتعلقة بالتحول الرقمي والابتكار وعصرنة الإدارة العمومية وقيادتها ومتابعتها وتقييمها.
وجاء الهدف من إنشاء كيان وزاري مستقل انطلاقا من رؤية سياسية طموحة، تسعى إلى اغتنام كافة الإمكانيات التى يتيحها التطور التكنولوجي والموقع الاستراتيجي لموريتانيا على المحيط الأطلسي وجوارها لعدد من الدول الحبيسة، بما يجعلها بمثابة المدخل المميز إلى السوق الرقمي في طور النمو المتسارع في فضاء الساحل.
وإلى جانب هذه الوزارة تم انشاء أيضًا وكالة وطنية للأمن السيبراني.
2- تدشين البنية التحتية والاستضافة الوطنية، قامت الوزارة بتدشين الإدارة السحابية الوطنية بمركز البيانات في نواكشوط، بما أتاح استضافة المعطيات والخدمات الحكومية داخل البلاد بدلاً من إرسالها للخارج، بالإضافة إلى العمل على مشروع لإنشاء مركز بيانات في نواذيبو.
كما عملت الوزارة فى مايو 2026 على تعزيز صمود شبكات الاتصال عبر تنفيذ فرع جديد للكابل البحري، لتوفير ربط مباشر ومتنوع وآمن بمراكز الاتصالات الرقمية الأوروبية والدولية.
3- تعزيز الأمن السيبراني والحماية، فى إطار الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، نجحت المنظومة الدفاعية الرقمية المتعددة الطبقات في التصدي لآلاف الهجمات الإلكترونية اليومية. فعلى الرغم من تصنيف موريتانيا ضمن الدول الأكثر عرضة للهجمات عالمياً، حيث تحتل المرتبة التاسعة عشرة عالميًا من حيث التعرض للهجمات السيبرانية، بمعدل يقارب 21 ألف هجمة يوميا، إلا أن إجراءات الحوكمة الرقمية ضمنت سلامة كافة الأنظمة الحساسة. وقد ذكرت الوزارة فى بيان لها أمام البرلمان الموريتانى بأن البلاد تعرضت لنحو 149 ألف هجمة سيبرانية خلال أسبوع واحد فقط فى أواخر يونيو الجارى، وكلها باءت بالفشل.
4- ابتكار تطبيقات وتجارب محلية من خلال العمل على تطوير تطبيق تراسل فوري وطني شبيه بتطبيقات المراسلة العالمية، إلى جانب إطلاق منصة “استشارة” الرائدة التي تعزز الابتكار والسيادة في مجال الذكاء الاصطناعي.
هكذا، سعت موريتانيا إلى ترسيخ أسس سيادتها الرقمية عبر ما أقامته من بناء مؤسسي وبنية تحتية وأطر تشريعية واستراتيجيات عملية، إلا أنها فى الوقت ذاته تدرك بأن مواجهة التحديات السيبرانية تتطلب رؤية تكاملية فى إطار عربي وإفريقي مشترك، عبر التعاون فى تنفيذ العديد من المشاريع المشتركة فى مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعى والأمن السيبرانى وإقامة البنى التحتية الرقمية. لأن التحدى -كما عبر عن ذلك رئيس الجمعية الوطنية الموريتانية فى كلمته أمام البرلمان العربي في أوائل يوليو الجاري- لم يعد يقتصر على استهلاك التكنولوجيا، بل أصبح يتمثل في إنتاجها وإتقانها، وهذا هو الأهم بما يتطلبه ذلك من أهمية الاستثمار فى رأس المال البشرى كركيزة أساسية لتمكين الشعوب العربية من تعزيز استقلالها التكنولوجى والمشاركة الفاعلة فى الاقتصاد العالمى القائم على المعرفة.







