مقالات وآراء

الإرث الأمازيغي في موريتانيا… بين الغياب والتغييب … قراءة في ذاكرة هوية لم ترو كاملة!

محمد عبد الرحمن ولد عبد الله
صحفي وكاتب – نواكشوط
medabd388@gmail

حين أُطلق اسم “موريتانيا” على الدولة الحديثة، انشغل الجدل بأصول التسمية وعلاقتها بالعهد الروماني، بينما غاب سؤال أكثر عمقا : ماذا بقي من الإرث الأمازيغي الذي شكل، عبر قرون طويلة، أحد أهم مكونات المجال الموريتاني؟
فالمفارقة أن جزءا كبيرا من تاريخ البلاد ارتبط بقبائل صنهاجة التي أسست دولا وإمبراطوريات كبرى، وفي مقدمتها دولة المرابطين، وأسهمت في نشر الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في غرب إفريقيا. ومع ذلك، يكاد الحضور الأمازيغي يختفي من الخطاب الرسمي، ومن المناهج الدراسية، ومن الذاكرة الجماعية، وكأنه صفحة طويت إلى الأبد.
فهل يتعلق الأمر بغياب طبيعي فرضه تطور التاريخ، أم بعملية تهميش وتغييب متراكمة؟

● صنهاجة… العمود الفقري للتاريخ الموريتاني
تجمع معظم الدراسات التاريخية على أن قبائل صنهاجة كانت القوة السكانية والسياسية الأبرز في الصحراء الغربية خلال القرون الوسطى. ومن قلب الأراضي الموريتانية انطلقت حركة المرابطين في القرن الحادي عشر الميلادي بقيادة الأمير عبد الله بن ياسين وقادة لمتونة، لتبني واحدة من أكبر الدول الإسلامية التي امتدت من نهر السنغال جنوبا إلى الأندلس شمالا.
ولم يكن تأثير صنهاجة سياسيا فحسب، بل كان حضاريا أيضا، إذ ساهموا في تنشيط التجارة الصحراوية، ونشر التعليم الإسلامي، وربط غرب إفريقيا بالعالم الإسلامي.
لكن هذه المكانة التاريخية لم تمنع انحسار لغتهم وثقافتهم تدريجيا، حتى اختفت تقريبا من المجال الموريتاني.

● كيف اختفى الإرث الأمازيغي؟

لا يقدم المؤرخون تفسيرا واحدا
لهذه الظاهرة، بل يشيرون إلى مجموعة من العوامل المتداخلة.
فقد أدى وصول القبائل العربية الحسانية،والهلالية ابتداء من القرنين الرابع عشر والخامس عشر، إلى تغيرات عميقة في موازين القوة السياسية والعسكرية داخل الصحراء. ومع ترسخ النفوذ الحساني، أصبحت العربية الحسانية لغة السلطة والتجارة والمكانة الاجتماعية، بينما تراجعت اللهجات الأمازيغية تدريجيًا.
كما لعب العامل الديني دورا مهما، إذ ارتبطت العربية بلغة القرآن والعلوم الشرعية، ما منحها مكانة رمزية قوية دفعت كثيرا من القبائل إلى تبنيها بوصفها لغة العلم والوجاهة الاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، ساهمت شبكات التجارة والقوافل العابرة للصحراء في ترسيخ العربية كلغة للتبادل الاقتصادي والفقهي، وهو ما عزز انتشارها على حساب اللغات المحلية.

● من التعرب إلى إعادة تشكيل الهوية

لم يقتصر التحول على اللغة وحدها، بل امتد إلى إعادة تشكيل الهوية الاجتماعية.
فمع مرور الزمن، أعادت قبائل عديدة صياغة أنسابها وانتماءاتها- فيما يشبه عملية تحديث وإعادة انتشار – وأصبحت الانتسابات العربية أكثر حضورا في الروايات الشفوية والكتابات المحلية، بينما تراجع الحديث عن الأصول الصنهاجية أو الأمازيغية.
ويرى عدد من الباحثين أن هذه العملية كانت مرتبطة بالسعي إلى الاندماج داخل النظام الاجتماعي الجديد الذي أصبحت فيه الهوية العربية تمنح مكانة سياسية واجتماعية أكبر، بينما يرى آخرون أنها كانت نتيجة تطور ثقافي طبيعي فرضته موازين القوة واللغة والدين.

● الاستعمار وتعميق القطيعة

عندما دخل الاستعمار الفرنسي البلاد، لم يعمل على إعادة اكتشاف هذا الإرث أو توثيقه بصورة منهجية، بل ركز على إدارة الواقع الاجتماعي القائم، وهو ما ساهم في استمرار تراجع الذاكرة الأمازيغية.
وبعد الاستقلال، تبنت الدولة مشروعًا وطنيا ارتكز أساسا على الانتماء العربي والإسلامي، في ظل صعود المد القومي العربي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فتراجع الاهتمام الرسمي بالمكونات التاريخية الأخرى، ومنها المكون الأمازيغي.

● هل اختفى الإرث فعلا؟
رغم اختفاء اللغة الأمازيغية من الحياة اليومية في موريتانيا، فإن آثارها لا تزال حاضرة في أسماء الأماكن، وبعض المفردات المحلية، والعادات الاجتماعية، والأنساب، والآثار الأركيولوجية، وفي التاريخ السياسي للمنطقة، خصوصًا تاريخ المرابطين وصنهاجة.
وبالتالي، فإن الحديث عن اختفاء كامل للإرث الأمازيغي يبدو مبالغ فيه، بينما الأدق هو القول إن هذا الإرث تعرض لعملية اندماج طويلة جعلته جزءا من الهوية الموريتانية المعاصرة، دون أن يحافظ على استقلاله الثقافي واللغوي.

● الحاجة إلى قراءة جديدة للتاريخ

لا ينبغي أن يفهم استحضار الإرث الأمازيغي باعتباره دعوة لإحياء صراعات الهويات، أو لمنافسة الانتماء العربي والإسلامي الذي يشكل ركيزة أساسية في شخصية موريتانيا اليوم.
بل إن الاعتراف بجميع مكونات التاريخ الوطني يمثل خطوة نحو كتابة تاريخ أكثر توازنا وإنصافا، يعترف بأن موريتانيا لم تكن نتاج رواية واحدة، بل ثمرة تفاعل طويل بين الأمازيغ والعرب والشعوب الإفريقية جنوب الصحراء.
فالأمم القوية لا تبني مستقبلها على ذاكرة منتقاة، وإنما على قراءة شاملة لماضيها، بكل ما فيه من تنوع وتعقيد.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل آن الأوان لأن تستعيد موريتانيا هذا الفصل المنسي من تاريخها، وتتعامل معه بوصفه جزءا من ثروتها الحضارية، لا باعتباره قضية هوية أو صراع انتماءات؟

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى