هل سيكون الحوار المرتقب فرصة لتسجيل إدانة جماعية للمكوّن العربي بتهمة التصفية العرقية ضد جماعة اتكارير؟

من المعروف أن أي حوار أو حدث استثنائي لا بد أن يُوسَم بموضوع أساسي كان من أبرز نتائجه.
ومن خلال تتبع مسار الإعداد للحوار الحالي وظروف الدعوة إليه، يبدو أن هناك موضوعًا ثابتًا وجوهريًا ظل هو محور الحديث ومثار الجدل، ألا وهو الإرث الإنساني، الذي تصر جماعة أيديولوجية على التمسك به واعتباره ثابتًا لا يمكن المساومة عليه. وقد استغلت هذه الجماعة وضعية استثنائية حصلت عليها في مسار التحضير، وهي أن أبرز قادتها هو المكلف بتنسيق الحوار، وآخر يقود أحد الأقطاب الثلاثة التي تحاورت حول الصيغة النهائية لوثيقة الدليل المرجعي للحوار. كما استغلت هذه الجماعة إرادة النظام في تسوية المظالم التي تعرضت لها مجموعة من اتكارير سنتي 1990 و1991، وحسن نية الأطراف الأخرى ورغبتها في إنجاح الحوار.
ولفهم نوايا هذه الجماعة، نورد الملاحظات التالية:
لقد أصر منسق الحوار على إدراج الإرث الإنساني في أول وثيقة يصدرها، باعتباره موضوعًا يشكل أولوية لدى غالبية من شاركوا في المشاورات.
*وعلى الرغم من الاعتراضات التي صدرت عن عدة أحزاب في مختلف الأقطاب السياسية على عبارة الإرث الإنساني، وطلبها ضرورة استبدالها بإحدى العبارتين: المظالم أو انتهاكات حقوق الإنسان، فقد تم الإصرار على الاحتفاظ بها دائمًا، وتأكيدها في كل وثيقة.
*فقد تضمنت وثيقة الأغلبية الأخيرة التي قُدمت للقاء مساء الاثنين صيغة: (المظالم، وانتهاكات حقوق الإنسان، والإرث الإنساني أينما كان موقعها أو زمانها)، وقد أصر المنسق وشريكه على رفض هذه الصيغة، والعمل على إفراد ورشة خاصة للإرث الإنساني، إلى جانب ورشة استُحدثت لذر الرماد في أعين المطالبين بمعالجة ملف انتهاكات حقوق الإنسان وفق مكيال واحد.
والسؤال المطروح هنا هو: لماذا هذا الإصرار؟
من المعروف أن الإرث الإنساني عبارة مستوحاة من واقع التصفيات العرقية التي وقعت في رواندا، وتم إدخالها في الخطاب السياسي الموريتاني سنة 1991 من قبل أفلام وحلفائها، إبان تأسيس FDUC.
وظلت هذه العبارة، التي تحمل شحنة أيديولوجية، حاضرة في خطاب هذه المجموعات، وقد تم دسها – في غفلة من النظام والطبقة السياسية – في وثائق الحوار الحالي.
ويبدو أن الهدف من هذا الإصرار عليها هو تبرير إقرار معالجة خاصة لموضوع اتكارير المتضررين من أحداث 1990-1991، معالجة تنطلق من أن ما وقع كان تصفية عرقية مدبرة من طرف مكوّن آخر على أساس هوية الضحايا، ويجب أن تتم تسويتها من خلال:
*الإقرار بالمسؤولية الجماعية عما حدث من تجاوزات.
*اعتماد يوم وطني لتكريس الذاكرة، من أجل أن تظل أجيال اتكارير تتذكر وتستحضر أن آباءهم تمت تصفيتهم على أساس الهوية من طرف المكوّن الآخر.
وهذا هو ما يفسر الإصرار على الفصل بين الإرث الإنساني وبقية المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان.
فبعد نجاح الطرف الأيديولوجي المتمسك بعبارة الإرث الإنساني في فرض ورشة خاصة به في هذا الحوار، على عكس ما عرفته موريتانيا من حوارات سابقة، يحق لنا أن نطرح الأسئلة التالية:
.ما هي النتيجة المتوخاة من هذه المعالجة الخاصة لهذا الملف؟
.هل ترضى الأحزاب الوطنية أن تتعاون على إثبات إدانة جماعية لمجتمع معين، وتحميله المسؤولية عما تعرضت له مجموعة من اتكارير سنتي 1990 و1991؟
.هل يقبل النظام أن يبادر بالدعوة إلى حوار من أجل تسجيل إدانة تاريخية لمكوّن وطني معين على أساس أحداث تمت في ثكنات عسكرية لا يعرف ظروفها إلا من كان في مسرح تلك الأحداث؟
خاتمة:
إن الأسئلة المطروحة في هذا المقال لا تستهدف الاعتراض على معالجة المظالم أو إنصاف الضحايا أو جبر الضرر، فذلك واجب وطني وأخلاقي لا خلاف حوله، وإنما تهدف إلى التنبيه إلى خطورة اعتماد مقاربة استثنائية لملف بعينه، بما قد يُفهم على أنه تبنٍّ لرواية سياسية محددة، أو تمهيد لإقرار مسؤولية جماعية بحق مكوّن وطني بأكمله عن أحداث تاريخية معقدة لا تزال محل نقاش واختلاف في توصيفها.
فإذا كان الحوار الوطني يراد له أن يكون إطارًا لتعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ العدالة والمصالحة، فإن ذلك يقتضي معالجة جميع المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان وفق معايير واحدة، بعيدًا عن الانتقائية أو التمييز بين الضحايا أو بين الملفات، وبما يحفظ كرامة الجميع ويصون السلم الأهلي، ويمنع تحويل الحوار من مناسبة لتعزيز التوافق الوطني إلى مناسبة لتكريس روايات سياسية محل خلاف أو تسجيل إدانات تاريخية جماعية لا تخدم مستقبل الوطن ولا وحدة شعبه.
سيدي محمد ولد اخليفة







