الصحافة ليست مشاعاً: احترم حدود مهنتك يفتح لك القانون أبواب الأمان /يحياوي

اليوم في موريتانيا، وللأسف منذ سنين، تتداخل المهام وتتدافع المناصب؛ حيث باتت الفوضى سيد الموقف، وصار البعض يقتحم مجالاتٍ لا يدرك أبعادها. إننا نرى برلمانيين، ومحامين، وكتّاب ضبط، وحقوقيين، ومدونين، وأصحاب منظمات غير حكومية؛ يغادرون ميادينهم “فعلياً” بمجرد حديثهم فيما لا يعنيهم، خارجين عن حدود وظائفهم إلى ساحة الصحافة دون أن يدركوا أنهم بذلك ينسفون الحصانة التي يوفرها لهم اختصاصهم الأصلي، وقد يتورطون في ذلك ويدخلون في متاعب قانونية هم في غنى عنها.
إن المشكلة الحقيقية تكمن في الجهل بالحدود القانونية؛ فالمشرّع الموريتاني كان حاسماً في نصوصه: فالقانون يُحرم على أصحاب المنظمات غير الحكومية ممارسة العمل السياسي أو الانحياز الحزبي، ويُحرم على المعلمين ومديري المؤسسات المدرسية استغلال مرفقهم العام في أي نشاط سياسي، كما يُحرم على البرلمانيين الخروج عن دورهم التشريعي والرقابي لتقمص أدوارٍ خارج إطار تخصصهم القانوني، أو تبني خطابات شوفينية أو مؤلِبة تضرب النسيج الاجتماعي.
حين يتجاهل هؤلاء هذه المحظورات، فإنهم يغادرون ميدانهم المهني فعلياً إلى ساحة الصحافة دون أن يشعروا. فالبرلماني الذي يمارس دوره بعقلية شعبوية، والمحامي الذي يخرج عن سرية المهنة، وكاتب الضبط الذي يتجاوز مهامه الوظيفية، والحقوقي أو صاحب المنظمة الذي يتقمص دور الصحفي، والمعلم الذي يقحم التعليم في السياسة؛ هؤلاء جميعاً يرتكبون خطأً استراتيجياً وحماقات كبرى. إنهم بمجرد تجاوزهم لتلك الحدود، يتركون العمل المهني الرصين ليغرقوا في معارك التشهير والتجاذبات التي تضعهم في مواجهة مباشرة مع القانون، بينما كان بإمكانهم تجنب هذا المصير بالالتزام بمواقعهم.
إن “الصحافة” مهنة ذات ضوابط حصرية، وليست ساحة مباحة للجميع. لذا، فإن دعوتنا للعودة إلى مربع التخصص ليست تضييقاً على الحرية، بل هي “طوق نجاة” لكي لا يسقطوا في الإدانة؛ فعلى المؤسسات أن تضطلع بدورها في تكوين أصحاب المهن وتوضيح “نقطة التوقف” لكلٍ منهم، وعلى كل فرد أن يعي أن احترام الحدود هو الحصن الوحيد الذي يحمي البرلماني في قبعته، والمحامي في محرابه، وكاتب الضبط في وظيفته، والحقوقي في عمله، والمدون في فضائه، والمعلم في مدرسته. ومن أراد التدخل في مجال الصحافة لضرورة تقتضيها المصلحة، فعليه بوعيٍ أن ينسق مع أهل الاختصاص من الصحفيين ليطرحوا القضية بمهنية، ففي ذلك حمايةٌ له من المتاعب القانونية، وضمانٌ لأن يقوم الصحفي بدوره المهني بعيداً عن أي تبعات، حتى لا تكون فوضى عارمة، وليقف كل شخص عند حده.
”احترم حدود مهنتك.. يفتح لك القانون أبواب الأمان.”
يحياوي محمد الأمين ولد يحيى





