المقامة الغزوانية (الحلقة الأولى): خِطَابُ الدُّسْتُورِ لِسَاكِنِ القُصُورِ، وَعِبْرَةُ الدَّهْرِ فِي القَصْرِ المَشِيدِ لِلْحُكْمِ الرَّشِيدِ

بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى
حَدَّثَ يَحْيَاوِي مُحَمَّدُ الأَمِينِ قَالَ: رَمَتْنِي غُرْبَةُ النَّوَى، وَتَقَاذَفَتْ بِيَ الفَلَوَاتُ وَالفَضَا، حَتَّى دَخَلْتُ أَرْضَ شِنْقِيطَ المَنَارَة، وَدَارَ العِلْمِ وَالتِّجَارَة، وَمَوْطِنَ السِّيَاسَةِ وَالرِّيَاسَة، فَإِذَا بِيَ أَرَى شَيْخاً يَلْتَفُّ حَوْلَهُ النَّاس، وَيَسْتَمِعُونَ إِلَيْهِ بِكُلِّ إِحْسَاس، فَدَنَوْتُ مِنْهُ لِأَسْتَبِينَ الخَبَر، وَأَنْظُرَ مَا جَادَ بِهِ الفِكْرُ وَالأَثَر، فَإِذَا هُوَ دِيلُولُ زَمَانِه، يَنْثُرُ الدُّرَّ مِنْ لِسَانِه…
فَلَمَّا بَلَغَ الشَّيْخُ أَبْوَابَ القَصْرِ المَشِيد، وَفِيهِ السُّلْطَانُ الرَّشِيد، وَقَفَ وَقْفَةَ الحَازِم، وَنَادَى بِنُصْحِ العَازِم، وَقَالَ: يَا سَاكِنَ القَصْرِ الرَّفِيع، اذْكُرْ يَوْمَ الفَزَعِ الفَظِيع، وَاعْلَمْ أَنَّ المُلْكَ لَوْ دَامَ لِمَنْ قَبْلَك، لَمَا وَصَلَ المَجْدُ إِلَيْك، فَاحْكُمْ بِالعَدْلِ فِي الرَّعِيَّة، وَتَجَنَّبْ سُبُلَ الحَمِيَّة.
وَاحْذَرْ صَوْلَةَ الزَّمَانِ إِذَا ارْتَجَز، وَاعْتَبِرْ بِمَنْ جَمَعَ المَالَ وَاكْتَنَز، وَتَخَلَّى عَنِ التَّكَافُلِ وَالتَّآزُر، وَأَعْرَضَ عَنِ التَّبَاذُلِ وَالتَّنَاصُر؛ ثُمَّ نَظَرَ فَأَبْصَرَ كُلَّ مَا هَمَّ بِهِ دَهْرُهُ مِنَ التَّجْهِيز، وَالتَّفَتَ إِلَى صِلَةِ التَّعْزِيز، فَتَذَكَّرَ صَدِيقَهُ عَبْدَ العَزِيز، وَكَيْفَ خَانَهُ المَقَامُ الحَرِيز، فَلَمْ يُسْعِفْهُ المَكَانُ وَلَا التَّبْرِيز، وَمَا نَفَعَهُ التَّفْخِيمُ وَالتَّمْيِيز، فَأَصْبَحَ مُلْكُهُ فِي النَّفَادِ وَالعَجَز. وَالعَاقِلُ مَنِ اتَّعَظَ بِغَيْرِه، وَتَزَوَّدَ لِيَوْمِ سَيْرِه.
فَالْتَفَتَ دِيلُولُ إِلَى جِهَةِ المِحْرَاب، وَقَالَ قَوْلَ لَبِيبٍ أَصَاب: يَا أَيُّهَا المَلِكُ المَنْصُور، وَصَاحِبُ الرَّأْيِ المَأْثُور، إِنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ “المَقَامَةُ الغَزْوَانِيَّة”، لِتَكُونَ لَكَ حِصْناً وَمَزِيَّة، قَبْلَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْكَ رَزِيَّة، وَتَذْكِرَةً فِي العَشِيَّةِ وَالبُكُور، وَعِبْرَةً لِمَنْ طَلَبَ الكُرْسِيَّة غَيْرَ مَغْرُور؛ فَاغْزُ نَفْسَكَ بِالصَّبْرِ وَالأَنَاة، وَاغْزُ العَدُوَّ بِالعَدْلِ وَالمُوَاسَاة، فالعُمُرُ قَصِير، وَالمَصِيرُ إِلَى خَبِيرٍ بَصِير.
ثُمَّ أَنْشَدَ يَقُولُ:
لَمَّا قَضَى زَيْدُ مِنهَا وَطَراً نَهَبَهْ … فَخَلِّ عَنْكَ عُرُوشَ المُلْكِ وَاغْتَنِمِ
وَارْفَقْ بِشَعْبِكَ فِي عَدْلٍ وَمَرْحَمَةٍ … فَمَنْ يَصُنْ عَهْدَ رَبِّ العَرْشِ لَمْ يُلَمِ







