جسر الحوار الوطني؛ وعين على وثيقة الدليل العملي لتنظيمه

أرى أن قيمة الحوارات الوطنية لا تكمن في عدد جلساتها، ولا في كثافة الوثائق المنظمة لها، ولا في وفرة الشعارات المصاحبة لها، وإنما في قدرتها على الانتقال من دائرة الخطاب إلى دائرة الفعل، ومن فضاء التوافقات اللفظية إلى ميدان الإصلاحات الملموسة.
واليوم، وأنا أتابع تولي السيد موسى افال تنسيق فعاليات هذا الحوار الوطني، أعتقد أنه يقف أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز مجرد إدارة النقاشات وترتيب الجلسات، إلى المساهمة في صناعة لحظة وطنية فارقة انتظرتها موريتانيا سنوات طويلة. وأرى أن النخب السياسية المشاركة، على اختلاف مواقعها وانتماءاتها، ليست جديدة على موائد الحوار، بل راكمت تجربة طويلة في حضور المؤتمرات واللقاءات والمنتديات، الأمر الذي يجعلني أخشى أن تتحول بعض الممارسات التقليدية إلى عائق يحول دون بلوغ الغايات الكبرى التي من أجلها ينعقد هذا الحوار.
وأعتقد أن الوطن اليوم لا يحتاج إلى حوار للمجاملات السياسية، ولا إلى بيانات ختامية تزين الرفوف والأرشيف، بل يحتاج إلى مصارحة وطنية شجاعة تتناول القضايا الجوهرية التي تمس حاضر الدولة ومستقبلها. وفي مقدمة تلك القضايا، في نظري، ترسيخ الهوية العربية والإسلامية والإفريقية لموريتانيا باعتبارها ركناً أصيلاً من شخصيتها الحضارية، وتسوية المظالم والاختلالات التي عرفتها البلاد عبر تعاقب الأنظمة بروح من العدالة والإنصاف والمصالحة الوطنية.
وهنا أتساءل: هل يمكن أن تقوم مصالحة وطنية راسخة على تحميل مكوّن اجتماعي بأكمله مسؤولية أحداث ارتبطت بمرحلة تاريخية معقدة؟ وهل من الإنصاف أن نختزل ذاكرة المظالم الوطنية في ملف واحد أو رواية واحدة، بينما أعرف كما يعرف الجميع أن بلادنا شهدت، عبر تعاقب الأنظمة، مظالم واختلالات متعددة طالت فئات ومناطق ومواطنين من مشارب مختلفة. إنني أرى أن الحوار المرتقب لن يحقق أهدافه إذا تحول إلى ساحة لتبادل الاتهامات أو إلى مناسبة لإصدار إدانات جماعية، وإنما سينجح عندما يفتح الباب أمام قراءة وطنية متوازنة للتاريخ تُنصف الجميع وتبحث عن الحقيقة كاملة غير منقوصة، وتؤسس لمصالحة تقوم على العدالة لا على الانتقائية، وعلى الإنصاف لا على تحميل المسؤوليات الجماعية.
كما أرى أن محاربة الفساد بكل تجلياته، والنهوض بالتعليم الذي يمثل بوابة التنمية الحقيقية، والارتقاء بالمنظومة الصحية، وتسريع وتيرة بناء البنى التحتية التي ما زالت تشكل أحد أكبر التحديات أمام التنمية والعدالة المجالية، كلها ملفات ينبغي أن تحتل مكانة مركزية في هذا الحوار.
ومن خلال قراءتي المتأنية لوثيقة الدليل العملي لتنظيم الحوار الوطني، ألحظ حضوراً واسعاً للجوانب الإجرائية والتنظيمية، مقابل حاجة ملحة، في تقديري، إلى تركيز أكبر على الضمانات العملية الكفيلة بتحويل المخرجات إلى واقع ملموس. وقد علمتني التجارب السابقة أن المشكلة لم تكن غالباً في صياغة التوصيات، وإنما في تنفيذها ومتابعتها ومساءلة الجهات المكلفة بها.
ولهذا أرى أن أهم ما ورد في الوثيقة فكرتان جديرتان بالبناء عليهما: أولهما إقرار إعلان وطني للتوافق يكون مرجعية سياسية وأخلاقية جامعة، وثانيهما إنشاء آلية ملزمة لمتابعة تنفيذ المخرجات وربطها بأعلى مستوى في الدولة. وأعتقد أن هاتين الركيزتين قادرتان على بناء الجسر الضروري بين الأقوال والأفعال، وبين الوعود والإنجازات.
كما أؤمن بأن تعزيز الثقة بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، وربط الحوار بالإصلاحات الوطنية الشاملة، وجعله منطلقاً لشراكة وطنية جديدة، كلها أهداف نبيلة، لكنها لن تكتسب قيمتها الحقيقية إلا عندما يلمس المواطن آثارها في مدرسته ومستشفاه وطريقه وخدماته الأساسية وفرص عيشه الكريم.
وفي خاتمة هذا المقال، أرى أن موريتانيا لا تحتاج اليوم إلى حوار يستهلك الوقت الثمين ثم يضاف إلى سلسلة الحوارات السابقة، وإنما إلى حوار يصنع تحولاً حقيقياً في مسار الدولة، ويؤسس لعقد وطني جديد يقوم على المسؤولية والالتزام والتنفيذ. وعندها فقط سأقول إن الحوار لم يكن مجرد حلقة أخرى في سلسلة الحوارات السابقة، بل بداية مرحلة جديدة تُقدَّم فيها مصلحة الوطن على الحسابات الضيقة، وتتحول فيها التوافقات من نصوص مكتوبة إلى واقع يعيشه المواطن ويستفيد منه الجميع…
انواكشوط بتاريخ 2026/07/15
عبد الرحمن سيد امحمد







