مؤتمر الرئيس الصحفي.. انفتاح في الخطاب وتغييب للصحافة الوطنية

شكل المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء الجمعة، بالقصر الرئاسي في نواكشوط، مناسبة للحديث عن عدد من القضايا الوطنية، من بينها المأمورية الثالثة، وأداء الحكومة، ومكافحة الفساد، والأمن، والهجرة، والتنمية، والاقتصاد، والغاز، وقانون الرموز، وملف الإرث الإنساني، إضافة إلى قضايا الشباب.
وأكد ولد الشيخ الغزواني، خلال المؤتمر، أن موضوع المأمورية الثالثة ليس من أولويات المرحلة، مجددًا التزامه بالدستور وإرادة الشعب، كما دعا الحكومة إلى تسريع وتيرة العمل، وشدد على أن مكافحة الفساد مسؤولية مؤسسية، وأن القضاء وحده يملك صلاحية تحديد المسؤوليات وإصدار الأحكام.
وفي القضايا الأمنية، أكد أهمية التعاون مع دول الجوار وتعزيز جاهزية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، كما جدد التأكيد على استمرار استقبال اللاجئين ومواجهة شبكات الهجرة غير النظامية.
اقتصاديًا، تحدث رئيس الجمهورية عن تحسن مؤشرات المديونية والعجز، وأهمية الاستثمارات السعودية، ومشاريع تعزيز الأمن الطاقوي، موضحًا أن الاستفادة من الغاز تتطلب استثمارات وخبرات وتقنيات، وأن عائداته ستتطور تدريجيًا مع تقدم المشروع.
كما أكد تمسكه بحرية التعبير والنقد المسؤول، مع إمكانية مراجعة تسمية قانون الرموز وصياغته، وتحدث عن التقدم المحرز في ملف الإرث الإنساني، واصفًا المأمورية الحالية بأنها «مأمورية للشباب وبالشباب».
ورغم أهمية الملفات التي تناولها المؤتمر، فإن طريقة تنظيمه أثارت تساؤلات في الأوساط الصحفية، خصوصًا بشأن تغييب عدد كبير من المؤسسات الإعلامية الوطنية وغياب أسماء ووجوه من عمداء الصحافة الموريتانية، وهو ما بدا، في نظر كثيرين، متناقضًا مع الانفتاح الذي عبر عنه رئيس الجمهورية تجاه الصحافة وحرية التعبير.
فإذا كان رئيس الجمهورية قد اختار عقد مؤتمر صحفي للإجابة عن أسئلة الصحافة، فلماذا لم تتم دعوة المؤسسات الإعلامية الوطنية والشخصيات المعروفة في الساحة الإعلامية؟ ومن هي الجهة التي قررت حصر المشاركة في عدد محدد من الصحفيين والمدونين؟ وهل كان الرئيس على علم بهذا الترتيب، أم أن الأمر يتعلق بخيارات تنظيمية اتخذها القائمون على المؤتمر؟
إن تغييب المؤسسات الإعلامية الوطنية، إذا كان متعمدًا، يطرح أسئلة مشروعة حول المعايير التي اعتمدت في اختيار المشاركين، خاصة أن الصحافة الوطنية هي الأقرب إلى المواطن والأقدر على نقل انشغالاته اليومية، من مشاكل التعليم والصحة والمياه والكهرباء، إلى البطالة وغلاء المعيشة والفساد والخدمات العمومية وقضايا الشباب.
وكان من المنتظر أن يكون المؤتمر مساحة أوسع لطرح هذه الملفات، وأن تتمكن المؤسسات الإعلامية بمختلف توجهاتها وأجيالها من نقل أسئلة المواطنين مباشرة إلى رئيس الجمهورية، خصوصًا أن كثيرًا من القضايا التي تشغل الرأي العام تحتاج إلى إجابات واضحة من أعلى سلطة في البلاد.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن حضر المؤتمر، وإنما أيضًا بمن غاب عنه، ولماذا غاب؟
لقد أظهر رئيس الجمهورية، في أكثر من مناسبة، استعداده للتواصل مع الصحافة والانفتاح على مختلف الآراء، ولذلك فإن تغييب مؤسسات إعلامية وطنية عريقة عن مؤتمر صحفي كان يفترض أن يكون مفتوحًا أمام الصحافة يثير علامات استفهام حول الجهة التي تقف وراء هذا الترتيب، ولماذا تم اعتماد هذا الأسلوب، رغم ما يعبر عنه الرئيس من رغبة في الانفتاح على الإعلام الوطني والتواصل معه.
إن نجاح أي مؤتمر صحفي لا يقاس فقط بعدد الأسئلة التي طُرحت أو القضايا التي نوقشت، وإنما أيضًا بمدى تنوع الصحفيين المشاركين وقدرتهم على تمثيل مختلف شرائح المجتمع. فكلما اتسعت المشاركة، تنوعت الأسئلة، واتسعت فرصة المواطن في إيصال صوته وانشغالاته إلى صانع القرار.
ولذلك، فإن المطلوب ليس فقط توضيح أسباب عدم دعوة بعض المؤسسات الإعلامية الوطنية، وإنما أيضًا مراجعة طريقة تنظيم مثل هذه المؤتمرات مستقبلًا، بما يضمن مشاركة أوسع للصحافة الوطنية، ويعزز حقها في الوصول إلى المعلومة وطرح الأسئلة، ويجعل من المؤتمر الصحفي فضاءً حقيقيًا للحوار والمساءلة، لا مناسبة يغلب عليها الخطاب السياسي العام.
ويبقى السؤال الأهم: هل كان تغييب بعض مكونات الصحافة الوطنية عن المؤتمر خيارًا من رئيس الجمهورية، أم قرارًا اتخذه المنظمون بعيدًا عن رغبته في الانفتاح والتواصل مع الإعلام الوطني؟
بقلم: تماد إسلم أيديه






