مقالات وآراء

حريق محطتي الكهرباء.. من يتحمل مسؤولية ما حدث؟

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

حين تشتعل محطتان للكهرباء في نواكشوط خلال يومين فقط، وتتبع ذلك أيام من انقطاع التيار وما رافقه من خسائر مادية وتعطيل للمصالح وإرباك لحياة المواطنين، فإن السؤال لم يعد: متى ستعود الكهرباء؟ بل أصبح أكثر إلحاحاً: كيف حدث ذلك، ومن يتحمل مسؤولية ما حدث؟

قد تكشف التحقيقات لاحقاً أن ما جرى كان حادثاً فنياً لا يمكن تفاديه، وقد تكشف في المقابل وجود أوجه قصور في الصيانة أو السلامة أو الرقابة أو إدارة المنشآت. لكن في الحالتين، فإن حجم الأضرار يفرض فتح تحقيق جدي وشفاف، ليس للبحث عن كبش فداء، وإنما لمعرفة الحقيقة ومنع تكرارها.

فالكهرباء ليست خدمة هامشية يمكن التعامل مع انقطاعها باعتباره عطلاً عادياً. إنها شريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية؛ بانقطاعها تتوقف أعمال، وتتضرر مؤسسات، وتتلف مواد وتجهيزات، وتتراجع الخدمات، ويتحمل المواطن وحده في نهاية المطاف كلفة خلل لا يملك أدوات منعه ولا القدرة على محاسبة المسؤولين عنه.

والسؤال الأكثر إزعاجاً هو: هل كانت هذه الحرائق قابلة للوقاية أو الاحتواء لو جرى التعامل مع الصيانة والسلامة والجاهزية بالصرامة المطلوبة؟ وإذا كانت هناك تقارير فنية أو تحذيرات سابقة، فهل أُخذت في الاعتبار؟ وهل كانت محطات الكهرباء مجهزة بأنظمة الحماية والإطفاء والطوارئ التي تحد من الخسائر في مثل هذه الحالات؟

في دول غربية عريقة في الممارسة الديمقراطية، لا تنتهي مثل هذه الأزمات عادة بعودة الخدمة إلى طبيعتها. عودة الكهرباء هي بداية المعالجة، وليست نهايتها. تبدأ بعدها التحقيقات الفنية والإدارية، وتُحدد المسؤوليات، ويُطلب من المسؤولين تفسير ما حدث أمام المؤسسات الرقابية والبرلمان والرأي العام، وقد تترتب على الإخفاقات الجسيمة استقالات أو إقالات أو إجراءات قانونية، بحسب ما تكشفه التحقيقات.

ليس المطلوب استيراد نماذج أجنبية بحذافيرها، وإنما طرح السؤال البسيط الذي يجب أن يحكم أي دولة تحترم مواطنيها: من أخطأ؟ لماذا حدث الخطأ؟ وهل كان يمكن تفاديه؟ ومن سيدفع ثمن التقصير إن ثبت وجوده؟

أما أن يتحمل المواطن أياماً من الظلام، ويتكبد أصحاب الأعمال خسائرهم، وتتضرر الخدمات العامة والخاصة، ثم يُطوى الملف بمجرد عودة التيار، فذلك يعني أن الدولة عالجت العارض وتركت أصل المشكلة.

المطلوب اليوم ليس توزيع الاتهامات قبل اكتمال التحقيقات، بل مساءلة حقيقية وشفافة تكشف للرأي العام ما حدث في محطتي الكهرباء، وأسباب الحريق، ومستوى جاهزية المنشآت، وحالة الصيانة، والمسؤوليات الإدارية والفنية، والإجراءات التي ستُتخذ لمنع تكرار الكارثة.

ففي دولة المؤسسات، لا تكون المساءلة عقوبة على وقوع حادث، وإنما مسؤولية عن معرفة لماذا وقع الحادث، وهل كان يمكن منعه، ومن قصّر في أداء واجبه إن ثبت التقصير.

وهنا تحديداً يُختبر الفرق بين دولة تكتفي بإطفاء الحريق، ودولة تبحث عن أسبابه حتى لا تضطر إلى إطفاء الحريق نفسه مرة أخرى.

التحرير

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى