الصحافة الموريتانية وأسئلة المهنية: حين يختلط الخبر بالترويج
الصحافة المستقلة في موريتانيا بحاجة ماسة إلى الإصلاح الجذري وليس الحلول المؤقتة

نواكشوط- التواصل: لم تبدأ أزمة المهنية في الصحافة الموريتانية مع انتشار المواقع الإلكترونية، ولا هي نتاج عصر وسائل التواصل الاجتماعي وحده. فقد بدأت ملامح تمييع الممارسة الصحفية في الظهور منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما أخذ بعض العاملين في المجال الإعلامي ينظرون إلى الصحافة باعتبارها وسيلة للتقرب من دوائر السلطة والنفوذ، أو للحصول على منافع مادية ومواقع وحظوة، بدلاً من اعتبارها مهنة تقوم أساساً على البحث عن الوقائع والتحقق منها وخدمة الجمهور.
وفي تلك المرحلة، بدأ يظهر تدريجياً نمط من الصحافة يقوم على المديح كما يقوم على القدح؛ الإشادة بمسؤول أو شخصية نافذة عندما تقتضي المصلحة ذلك، والهجوم على خصومه عندما يصبح الهجوم أكثر فائدة، مع تنامي ظاهرة التقرب من السلطة وأصحاب النفوذ، وحتى من رموز المعارضة، على حساب الاستقلالية والمهنية.
ومع مرور السنوات، توسعت الظاهرة لتشمل، إلى جانب المسؤولين والفاعلين السياسيين، رجال الأعمال والوجهاء والشخصيات التقليدية، فأصبحت بعض التغطيات أقرب إلى صناعة صورة عامة للأشخاص منها إلى تقديم معلومات ذات قيمة إخبارية للجمهور.
ولم تكن السلطة وحدها مجالاً لهذا النوع من الممارسة؛ فقد ظهرت أيضاً، بدرجات متفاوتة، وسائل إعلام ربطت خطها التحريري، أو جزءاً منه، بمصالح وقوى خارجية، وأخذت تتبنى مواقف سياسية مرتبطة بدول بعينها، أحياناً من دون الفصل الواضح بين الموقف التحريري المشروع والمادة الإخبارية التي يفترض أن تلتزم بالوقائع والسياق.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال تاريخ الصحافة الموريتانية في هذه الظاهرة. فقد ظهرت، على امتداد العقود الماضية، مؤسسات وصحفيون حافظوا على قدر معتبر من الاستقلالية، ودفع بعضهم ثمناً مهنياً وشخصياً بسبب تمسكه بالخط الصحفي المستقل. كما أن اتساع هامش الإعلام الخاص، وظهور عشرات المواقع والمنصات الرقمية، فتحا مجالاً أوسع للتعددية الإعلامية.
لكن اتساع مساحة الإعلام لم يكن مصحوباً دائماً بالقدر نفسه من التطور في المهنية والاستقلالية والحوكمة الاقتصادية للمؤسسات الصحفية.
وهنا تعود المشكلة اليوم بصورة أكثر وضوحاً.
ففي الوقت الذي اتسعت فيه مساحة الإعلام المستقل، وتزايد عدد المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية، مقابل تراجع الصحف المكتوبة، برزت ممارسات تثير أسئلة جدية حول طبيعة بعض المضامين التي تقدم للجمهور باعتبارها أخباراً، بينما تبدو، في كثير من الأحيان، أقرب إلى مواد ترويجية موجهة لخدمة صورة مسؤول أو رجل أعمال أو شخصية اجتماعية نافذة.
وتستخدم بعض هذه المواد لغة تتجاوز التغطية الإخبارية إلى المديح المباشر، من قبيل الحديث عن مسؤول باعتباره «الرجل المناسب في المكان المناسب»، أو وصف دوره بأنه «استثنائي»، أو تقديم نشاط سياسي أو إداري عادي باعتباره إنجازاً استثنائياً.
ولا تكمن المشكلة هنا في تغطية نشاط وزير أو مسؤول أو شخصية سياسية أو اقتصادية؛ فذلك جزء أصيل من العمل الصحفي. وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول التغطية إلى تلميع ممنهج للشخصية، من دون معلومات قابلة للتحقق، أو سياق ضروري، أو وجهات نظر أخرى تسمح للقارئ بتكوين حكم مستقل.
وقد وصفت منظمة «مراسلون بلا حدود» في تقاريرها حول موريتانيا أحد مظاهر الأزمة الاقتصادية التي تواجه الإعلام بمصطلح «صحافة القوت اليومي»، في إشارة إلى هشاشة الوضع الاقتصادي للصحفيين والمؤسسات الإعلامية، وما يمكن أن يترتب عليها من قابلية بعض وسائل الإعلام للمحتوى المدفوع أو للضغوط السياسية والاقتصادية.
وهنا تحديداً يبرز السؤال: هل كل ما ينشره موقع يحمل صفة «إخباري» يعد بالضرورة صحافة؟
والإجابة المهنية هي: لا.
فالمؤسسة قد تكون مسجلة كوسيلة إعلامية، وقد يكون العاملون فيها صحفيين، لكن المادة المنشورة لا تصبح خبراً لمجرد نشرها على موقع إخباري.
فالخبر يقوم على معلومات قابلة للتحقق، ونسبة الأقوال والادعاءات إلى مصادرها، وصياغة مهنية، وفصل واضح بين الوقائع والتعليق. أما المادة الدعائية فتقوم على الترويج لشخص أو مؤسسة أو مشروع، في حين تهدف العلاقات العامة إلى تحسين صورة الجهة التي تطلب التغطية أو تدفع مقابلها.
وإذا اختلطت هذه الوظائف من دون الإفصاح عنها، يصبح القارئ أمام مشكلة مهنية وأخلاقية حقيقية: هل يقرأ خبراً أم إعلاناً متخفياً في صورة خبر؟
ليست القضية موالاة ولا معارضة
من المهم هنا ألا ينزلق النقاش إلى الثنائية السياسية التقليدية: موالاة في مواجهة معارضة.
فالصحافة المهنية ليست مطالبة بأن تكون مع الحكومة أو ضدها، وليست مطالبة بأن تكون مؤيدة للمعارضة أو معادية لها. بل المعيار أبسط وأكثر صرامة في الوقت نفسه: الالتزام بالوقائع، والتحقق منها، ووضعها في سياقها، والتمييز بوضوح بينها وبين الرأي والادعاء.
يمكن لصحيفة أن تؤيد سياسة حكومية معينة، وأن تنتقد سياسة أخرى. ويمكن لصحفي أن يرى في أداء وزير معين نجاحاً يستحق الإشادة، لكن عليه أن يدعم هذا الحكم بالوقائع والأرقام والنتائج الموضوعة في سياقها، لا بالعبارات الإنشائية.
كما أن انتقاد مسؤول لا يجعل المادة مهنية تلقائياً، والثناء عليه لا يجعلها غير مهنية تلقائياً. بل المعيار هو الاستقلالية والدقة والإنصاف والمصلحة العامة.
عندما يتحول استقبال الرئيس إلى «إنجاز»
من أكثر المظاهر التي تستحق النقاش تغطية الزيارات الرئاسية والأنشطة السياسية.
فمن الطبيعي أن يحظى تنظيم زيارة لرئيس الجمهورية باهتمام إعلامي، وأن تتابع وسائل الإعلام الاستقبالات والمهرجانات واللقاءات والخطابات والأنشطة المرتبطة بها. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول دور شخص أو مسؤول في تنظيم استقبال أو حشد سياسي إلى مادة احتفائية متكررة، تقدم الرجل أو الجهة باعتبارها صاحبة «الدور الاستثنائي» أو «المكانة الرفيعة»، وكأن تنظيم استقبال سياسي أصبح إنجازاً وطنياً قائماً بذاته.
والسؤال المهني الذي ينبغي أن يطرح هنا هو: ما القيمة الإخبارية الحقيقية؟
هل هناك قرار مهم؟ أو مشروع جديد؟ أو نتائج قابلة للقياس؟ أو تحول سياسي؟ أو موقف مؤثر؟ أم أن المادة لا تقدم للقارئ سوى الثناء على شخص بعينه؟
وفي الحالة الأخيرة، نكون أقرب إلى العلاقات العامة منا إلى الصحافة.
بين الحرية التحريرية والوقائع السياسية
ينطبق الأمر ذاته على القضايا الإقليمية الحساسة.
فمن حق أي مؤسسة إعلامية أن تتبنى خطاً تحريرياً معيناً، وأن تعبر في صفحات الرأي والتحليل عن موقف مؤيد لهذا الطرف أو ذاك.
ولكن هناك فرق مهني أساسي بين التعبير عن الرأي وبين تقديم موقف سياسي متنازع عليه باعتباره حقيقة إخبارية محسومة.
ومن ذلك، على سبيل المثال، استخدام بعض المواقع الموريتانية تعبير «الصحراء المغربية» بصيغة الجزم داخل المواد الإخبارية، من دون نسبته إلى الجهة التي تتبنى هذا الموقف.
فالمشكلة هنا ليست في أن يكون للمؤسسة موقف مؤيد للمغرب؛ فهذا يدخل في حرية الرأي والتحرير، وإنما في تقديم توصيف سياسي محل نزاع دولي باعتباره حقيقة نهائية، من دون توضيح السياق أو الإطار الذي تنظر من خلاله الأمم المتحدة إلى القضية.
وهنا أيضاً لا يكون المطلوب من الصحافة الموريتانية أن تتبنى موقفاً سياسياً معيناً، وإنما أن تفرق بوضوح بين الخبر والرأي والموقف التحريري.
اقتصاد الإعلام جزء من المشكلة
لا يمكن معالجة هذه الظاهرة من دون الاقتراب من اقتصاد الصحافة.
فالمؤسسة التي لا تملك موارد مالية مستقرة، ولا تستطيع دفع أجور محترمة لصحفييها، تصبح أكثر عرضة للبحث عن مصادر تمويل بديلة.
وهذا أمر معروف في العديد من البيئات الإعلامية، وليس خاصاً ببلادنا.
لكن المشكلة لا تكمن في حصول وسيلة إعلامية على الإعلان أو الرعاية أو التمويل التجاري؛ فهذه موارد مشروعة للصحافة. وإنما تبدأ المشكلة عندما يصبح المعلن أو الممول قادراً على شراء الخط التحريري، أو شراء صورة إيجابية لنفسه تحت عنوان الخبر، سواء كان الممول موريتانياً أو جهة من بلد آخر أو حتى حكومة أجنبية.
ولهذا فإن أحد أهم شروط الإصلاح هو الفصل الصريح بين الإعلان والتحرير. فإذا كانت المادة مدفوعة، فيجب أن يعرف القارئ ذلك، وإذا كانت برعاية جهة معينة، فيجب الإعلان عنها بوضوح.
أما تحويل المادة الإعلانية إلى خبر يبدو مستقلاً، فهو يضر في النهاية بالمؤسسة نفسها وبالمهنة وبثقة الجمهور.
الحاجة إلى مجلس مهني للإعلام المستقل
من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في منظومة التنظيم المهني للإعلام المستقل، وهو موضوع سنتطرق إليه بصورة أكثر تفصيلاً في مقال مستقل لاحقاً.
فالسلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية تؤدي دوراً تنظيمياً مهماً في المشهد الإعلامي، لكن وجود هيئة مهنية مستقلة للصحافة المكتوبة والرقمية يمكن أن يشكل إضافة ضرورية إلى المنظومة.
ويمكن أن يسمى هذا الإطار، مثلاً، «المجلس الأعلى للإعلام المستقل».
ولا ينبغي أن يكون المجلس جهازاً حكومياً جديداً، ولا أداة لمراقبة آراء الصحفيين أو التدخل في خطوط المؤسسات التحريرية، بل هيئة مهنية تقوم على الضبط الذاتي للمهنة، وتتعامل مع المخالفات وفق ميثاق معلن وإجراءات واضحة تضمن حق الرد والدفاع والطعن.
ويمكن أن يكون من بين اختصاصاته:
* وضع ميثاق مهني واضح للصحافة المستقلة.
* استقبال شكاوى الجمهور والمؤسسات بشأن المخالفات المهنية.
* الفصل في النزاعات المهنية عبر آليات الوساطة والتحكيم.
* إصدار قرارات مهنية وطلبات تصحيح وفق إجراءات معلنة.
* وضع معايير واضحة للفصل بين الخبر والإعلان والمحتوى المدفوع.
* إصدار تقارير دورية حول مستوى المهنية في الإعلام المستقل.
* الدفاع عن استقلال الصحفيين وحقهم في الوصول إلى المعلومات.
* العمل من أجل بيئة اقتصادية عادلة وشفافة للمؤسسات الإعلامية.
* تنظيم دورات تدريبية في التحقيق والتحقق من المعلومات والصحافة الرقمية وصحافة البيانات.
* وضع معايير شفافة للعضوية والتمثيل داخل المجلس.
* المشاركة في تنظيم إصدار البطاقة الصحفية المهنية، بالتنسيق مع جهات الاختصاص، وفق تصور واضح لتوزيع الصلاحيات.
والأهم أن يكون تشكيله من داخل الوسط الصحفي نفسه، عبر آلية انتخابية أو تمثيلية شفافة، لا عبر التعيين السياسي.
سلطة تنظيمية وضبط ذاتي
إن وجود مجلس مهني للإعلام المستقل إلى جانب السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية لا ينبغي أن يؤدي إلى ازدواجية في الصلاحيات، بل يفترض أن يقوم على تقسيم واضح للأدوار.
فالسلطة العليا تتولى الجانب التنظيمي والقانوني المتعلق بالمشهد السمعي البصري والإعلامي، وفق استقلال مؤسسي واضح، بينما يتولى المجلس المهني الضبط الذاتي وأخلاقيات المهنة والمعايير المهنية.
وبهذه الطريقة لا تكون الدولة هي التي تحدد للصحفي كيف يكتب، ولا يبقى الصحفيون أنفسهم من دون آلية مهنية لمحاسبة من يسيء استخدام المهنة، وإنما تتولى الصحافة عملية الضبط الذاتي وفق قواعد وضمانات معلنة.
المال العام والإعلان العمومي
لا يمكن الحديث عن استقلال الصحافة من دون الحديث عن المال العام.
فالإعلان العمومي يجب ألا يتحول إلى مكافأة سياسية للمؤسسات القريبة من السلطة، كما لا ينبغي استخدامه لمعاقبة المؤسسات المنتقدة. بل المطلوب هو نظام شفاف يقوم على معايير معلنة وقابلة للقياس، مثل الانتظام في النشر، وعدد الصحفيين، والإنتاج الأصلي، والانتشار، واحترام المعايير المهنية، والاستثمار في التحقيقات والتغطيات الميدانية، والالتزام بالشفافية المالية.
وبالمثل، فإن أي دعم عمومي للصحافة ينبغي ألا يكون مقابل الولاء السياسي، وإنما دعماً للمهنية والاستمرارية وخدمة الجمهور.
الصحافة التي نحتاجها
إن موريتانيا لا تحتاج إلى صحافة موالية أكثر، ولا إلى صحافة معارضة أكثر، بل تحتاج إلى صحافة مهنية أكثر؛ صحافة تستطيع أن تقول إن مشروعاً حكومياً ناجح عندما تثبت أرقامه ونتائجه ذلك، وأن تقول إنه فاشل عندما تثبت الوقائع ذلك.
صحافة تستطيع أن تنتقد رجل أعمال من دون ابتزاز، وأن تثني على أدائه من دون تملق.
صحافة تغطي زيارة الرئيس باعتبارها حدثاً سياسياً، لا باعتبارها مناسبة لصناعة أبطال محليين أو تحقيق منافع خاصة.
صحافة تميز بين «قال» و«ثبت».
صحافة لا تحول الإعلان إلى خبر، ولا الرأي إلى حقيقة، ولا العلاقات العامة إلى صحافة.
والأهم أننا بحاجة إلى صحافة يعرف القارئ من يقف وراءها، وكيف تمول، ومن يكتب فيها، وما قواعدها المهنية.
من التمويل الهش إلى صحافة المؤسسات
ربما يكون التحدي الأكبر أمام الإعلام الموريتاني اليوم هو الانتقال من نموذج يعتمد على الجهد الفردي والتمويل الهش والعلاقات الشخصية، إلى صحافة مؤسسات قادرة على الاستمرار.
وهو ما يتطلب إصلاحاً يتجاوز القوانين إلى بناء اقتصاد إعلامي حقيقي، وتطوير التكوين، وتنظيم الإعلان العمومي، وتشجيع الاستثمار الخاص المسؤول، وإنشاء آليات للضبط الذاتي، ورفع مستوى الشفافية داخل المؤسسات الإعلامية.
فالصحافة التي تعتمد على المديح والتلميع قد تحصل على مكاسب قصيرة الأجل، لكنها تخسر أهم رأسمال تمتلكه: ثقة الجمهور.
أما الصحافة المهنية، فقد تكون أكثر صعوبة وأقل ربحاً في البداية، لكنها وحدها القادرة على بناء مؤسسة إعلامية تعيش طويلاً وتحظى بالاحترام.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح في موريتانيا ليس: هل هذا الموقع مع السلطة أم ضدها؟
بل سؤال أكثر أهمية: هل هذا الموقع يمارس الصحافة فعلاً؟







