مقالات وآراء

عن خارطة طريق إدارة الحوار

لقد تصفحتُ بتمعّن وجدية خارطة الطريق المعدّة من طرف لجنة الإشراف على الحوار، فوجدتها في مجملها وثيقة يغلب عليها الطابع الإنشائي، ويطغى عليها الإطناب على حساب التركيز والوضوح. وكأن صفحاتها الكثيرة لم تكن سوى تمهيد طويل للوصول إلى المحور الذي يبدو أنه يشكل الغاية الأساسية من هذا الحوار.
ومن بين القضايا المقترحة للنقاش، استوقفني بشكل خاص إدراج بند: «الإرث الإنساني والملفات الحقوقية العالقة». 
« L’héritage humanitaire et les dossiers des droits en suspens »  وهو عنوان واسع وفضفاض يثير أكثر من سؤال حول المقصود به وحدوده ومضامينه.
فإذا كان الهدف هو معالجة المظالم والاختلالات التي عرفتها البلاد عبر مراحلها السياسية المختلفة، فإن الإنصاف يقتضي مقاربة شاملة لا انتقائية، تستحضر جميع الأحداث والضحايا والمتضررين دون تمييز أو إقصاء. فالتاريخ الوطني يحمل في ذاكرته وقائع مؤلمة ومتعددة، تعرّض خلالها موريتانيون، من مختلف المشارب والانتماءات، لأشكال متفاوتة من الظلم والمعاناة في ظل الأنظمة المتعاقبة.
ومن ثمّ فإن أي معالجة جادة لهذا الملف ينبغي أن تنطلق من مبدأ العدالة المتوازنة والذاكرة الوطنية الجامعة، لا من منطق تجزئة المظالم أو حصرها في زاوية واحدة من المشهد الوطني. فالمقصود ليس إعادة إنتاج الخصومات القديمة، وإنما بناء مصالحة حقيقية تقوم على الاعتراف والإنصاف وجبر الضرر وترسيخ الثقة بين مكونات الوطن كافة.
ولذلك فإن أكثر ما أخشاه هو أن يتحول الحوار الذي نعلّق عليه آمالًا كبيرة في الوفاق الوطني إلى ساحة لاستدعاء الجراح وتبادل الاتهامات وتسجيل الإدانات الجماعية، بدل أن يكون فضاءً للحقيقة والإنصاف والتفاهم. فنجاح الحوار لن يقاس بحجم الملفات التي يفتحها، بل بقدرته على إغلاق منافذ التوتر وفتح آفاق التوافق والاستقرار وبناء مستقبل مشترك يتسع للجميع…

2026/07/16
عبد الرحمن سيد امحمد

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى