ثورة يوليو الناصرية بين الديمقراطية السليمة والديمقراطية الرأسمالية … قراءة ناصرية في الجزء الثالث من مقال الأستاذ أحمد محمد حماده

بقلم: سيدي محمد ولد أخليفه
1- المقدمة
إن تقييم ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 لا ينبغي أن يتم وفق معيار واحد، هو الديمقراطية الليبرالية الغربية؛ لأن لكل تجربة تاريخية ظروفها وأهدافها وسياقها. فالثورة لم تكن مشروعًا انتخابيًا، وإنما كانت مشروعًا للتحرر الوطني، والعدالة الاجتماعية، وبناء الدولة الحديثة.
لقد انطلقت الثورة في ظل احتلال أجنبي، وهيمنة الإقطاع، وسيطرة رأس المال الأجنبي، وحرمان الأغلبية من أبسط حقوقها. ولذلك كان سؤالها الأول: كيف نحرر الوطن ونحرر الإنسان؟ وليس: كيف نجري انتخابات في ظل مجتمع يهيمن عليه الاستعمار والإقطاع؟
2- أي ديمقراطية يقصد الكاتب؟
إن الكاتب يتحدث عن الديمقراطية وكأنها مفهوم واحد، بينما توجد نماذج متعددة لها.
فالديمقراطية الغربية تقوم أساسًا على التعددية الحزبية والانتخابات الدورية، لكنها في الواقع تخضع بصورة كبيرة لنفوذ رأس المال، والشركات العملاقة، وجماعات الضغط، والإعلام الممول.
أما الديمقراطية في الفكر الناصري، فهي تقوم على ثلاثة أسس متكاملة:
التحرر الوطني من التبعية والاستعمار.
العدالة الاجتماعية والقضاء على الاستغلال.
المشاركة الشعبية في بناء الدولة والتنمية.
ومن هنا كان جمال عبد الناصر يؤكد أن الحرية السياسية لا قيمة لها إذا كان المواطن محرومًا من الخبز، والتعليم، والعلاج، والعمل.
فالحرية الاجتماعية ليست بديلًا عن الحرية السياسية، وإنما هي شرط لتحقيقها.
3- لماذا حُلَّت الأحزاب؟
ينتقد الكاتب حلَّ الأحزاب، لكنه يتجاهل طبيعة الحياة السياسية قبل الثورة.
فقد كانت الأحزاب، في معظمها، خاضعة لنفوذ كبار الإقطاعيين والرأسماليين، كما كانت بريطانيا تتدخل بصورة مباشرة في تشكيل الحكومات وإدارة الانتخابات.
لذلك رأت الثورة أن تحرير الدولة من النفوذ الاستعماري والإقطاعي يسبق إعادة بناء الحياة السياسية.
وقد يكون هذا الاجتهاد محل نقاش، لكنه لا يعني رفض الديمقراطية، وإنما يعكس ترتيبًا لأولويات مرحلة التحرر الوطني.
4- الاشتراكية الناصرية ليست اشتراكية ماركسية
يقع كثير من النقاد في الخلط بين الاشتراكية الناصرية والاشتراكية الماركسية.
فالاشتراكية عند عبد الناصر لم تقم على الصراع الطبقي، ولم تُلغِ الملكية الخاصة، وإنما هدفت إلى:
منع الاحتكار.
حماية الفقراء.
تحقيق تكافؤ الفرص.
توفير التعليم المجاني.
ضمان العلاج للجميع.
حماية حقوق العمال والفلاحين.
فكانت الدولة تتدخل لتحقيق العدالة الاجتماعية، لا لمصادرة المجتمع أو القضاء على المبادرة الفردية.
5- الاقتصاد الموجَّه… هل كان فاشلًا؟
يركز الكاتب على سلبيات القطاع العام، ويتجاهل إنجازاته الكبرى.
ففي عهد عبد الناصر:
أُنشئ السد العالي.
قامت قاعدة صناعية وطنية غير مسبوقة.
تضاعف الإنتاج الصناعي.
انتشر التعليم المجاني.
توسعت الخدمات الصحية.
أُقيمت مئات المصانع.
انتقلت مصر من دولة زراعية إلى دولة صناعية ناشئة.
أما مظاهر البيروقراطية وضعف الكفاءة، فهي أخطاء في التطبيق والإدارة، وليست دليلًا على فشل فكرة تدخل الدولة في التنمية.
6- دور المؤسسة العسكرية
يحمّل الكاتب ثورة يوليو مسؤولية دخول الجيش في السياسة.
والحقيقة أن الجيش المصري كان المؤسسة الوطنية الوحيدة القادرة على قيادة معركة التحرر الوطني، في ظل فساد النظام الملكي وهيمنة الاحتلال البريطاني.
كما أن معظم حركات التحرر في آسيا وإفريقيا قادتها جيوش وطنية، ولم يكن ذلك استثناءً مصريًا.
ولا يجوز تحميل ثورة يوليو مسؤولية كل الانقلابات العسكرية التي شهدها العالم العربي بعد ذلك.
7- الوحدة مع سوريا
إن فشل تجربة الجمهورية العربية المتحدة لا يعني فشل فكرة الوحدة العربية.
فالانفصال كان نتيجة عوامل عديدة، منها:
التدخلات الخارجية.
المؤامرات الإقليمية.
أخطاء إدارية وتنظيمية.
اختلاف الظروف السياسية والاقتصادية بين البلدين.
ولا يجوز أن تتحول تجربة واحدة إلى حكم نهائي على مشروع الوحدة العربية.
8- النكسة 1967
لا أحد ينكر أنها كانت انتكاسة كبرى.
لكن اختزال المشروع الناصري كله في تلك الهزيمة يمثل قراءة غير منصفة.
فبعد الهزيمة مباشرة:
تحمّل جمال عبد الناصر المسؤولية أمام شعبه.
أعاد بناء القوات المسلحة.
خاض حرب الاستنزاف.
وضع الأساس العسكري الذي مكّن مصر من تحقيق نصر أكتوبر 1973.
فالمشروع لم ينهَر، وإنما تعرض لهزة كبيرة استطاع بعدها استعادة قدر مهم من قوته.
9- بين الزعامة والمؤسسات
صحيح أن جمال عبد الناصر كان قائدًا استثنائيًا، لكن الدولة التي بناها لم تكن مجرد شخص.
فقد ترك:
جيشًا حديثًا.
مؤسسات تعليمية قوية.
قاعدة صناعية وطنية.
السد العالي.
أجهزة إدارية حديثة.
مؤسسات بحثية وتنموية.
ولو لم تكن هذه المؤسسات موجودة، لما استطاعت الدولة المصرية الاستمرار بعد رحيله.
10- الديمقراطية الغربية ليست النموذج الكامل
إن الديمقراطية الغربية نفسها تواجه اليوم أزمات عميقة، أبرزها:
هيمنة رأس المال على القرار السياسي.
تأثير الشركات الكبرى في الانتخابات.
اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
تراجع العدالة الاجتماعية.
تحول الإعلام إلى أداة بيد أصحاب النفوذ المالي.
ولذلك فإن الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، وإنما هي أيضًا عدالة اجتماعية، ومساواة في الفرص، وكرامة للمواطن.
11- مفهوم الديمقراطية في الفكر الناصري
يرى الفكر الناصري أن الديمقراطية الحقيقية تقوم على ثلاثة أركان:
التحرر الوطني، فلا ديمقراطية في ظل التبعية.
العدالة الاجتماعية، فلا حرية مع الفقر والاستغلال.
المشاركة الشعبية، بما يضمن الرقابة والمساءلة وتطوير المؤسسات.
وهذا المفهوم أكثر اتساعًا من المفهوم الليبرالي الذي يختزل الديمقراطية في الانتخابات وحدها.
12- الخاتمة
لقد أخطأت ثورة يوليو في بعض السياسات، ولم يدّعِ جمال عبد الناصر العصمة، لكن تلك الأخطاء لا تلغي إنجازاتها الكبرى في التحرر الوطني، وبناء الدولة الحديثة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ودعم حركات التحرر العربية والإفريقية.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل طبقت ثورة يوليو الديمقراطية الغربية؟
وإنما:
أي ديمقراطية نريد؟
أديمقراطية تمنح الحرية لرأس المال كي يحتكر الثروة والإعلام والسلطة، أم ديمقراطية تحقق للمواطن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني؟
ذلك هو جوهر الرؤية الناصرية، وهو ما يجعل تجربة ثورة يوليو، رغم ما اعتراها من أخطاء، واحدةً من أعظم مشاريع النهضة العربية في العصر الحديث.







