لهذه الأسباب اعتقد أن مقال الأستاذ سيدي علي بلعمش حول الحوار يستحق قراءة متأنية

يستحق مقال الأستاذ سيدي علي بلعمش قراءة متأنية، لا لأنني أتفق بالضرورة مع كل ما ورد فيه، وإنما لأنه يثير أمامي جملة من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بمصير الحوار الوطني وحدود ما يمكن أن يحققه في بلد ما زالت ذاكرته الجماعية مثقلة بتراكمات التاريخ وتعقيدات الحاضر.
لقد نجح الكاتب، في تقديري، في لفت الانتباه إلى مفارقة لافتة؛ فبينما تناول منظرو الحوار أغلب الأهداف الأخرى بلغة إنشائية مطولة، بقي ملف “تسوية الإرث الإنساني” يتصدر المشهد وكأنه الغاية التي صيغت من أجلها بقية العناوين. وهنا أجد نفسي متسائلا : هل نحن أمام حوار وطني شامل لمعالجة مختلف اختلالات الدولة والمجتمع، أم أمام مسار سياسي يراد له أن يتمحور حول قراءة محددة لأحداث الماضي؟
ولعل أول ما يستوقفني في هذا الملف هو المصطلح نفسه؛ فتركيب “الإرث الإنساني” وافد على قاموسنا السياسي والقانوني، ولم يكن جزءا من معجمنا الوطني التقليدي والحديث. ولذلك أرى أن من حق الرأي العام أن يتساءل عن خلفيات ظهوره وعن القوى الفكرية والسياسية التي أسهمت في ترسيخه داخل الخطاب الوطني.
ويزداد هذا التساؤل مشروعية، في نظري، حين ألاحظ أن أبرز المنظرين لهذا المسار ينتمون، فكريا أو سياسيا، إلى تيارات ارتبطت تاريخيا بهذا الملف منذ بداية المسلسل الديمقراطي، وفي مقدمتها بعض الفاعلين من الحركة الوطنية الديمقراطية (MND) وحركة “أفلام” (FLAM) ومن تأثر بأدبياتهما السياسية والحقوقية. وهنا أطرح سؤالا أراه جديرا بالنقاش: هل جاء الحوار الوطني لمعالجة مجمل التحديات الوطنية على قدم المساواة، أم أن بعض الأطراف تسعى إلى جعل ملف “الإرث الإنساني” المدخل الرئيس الذي تُقرأ من خلاله جميع القضايا الأخرى؟
ومن هذا المنطلق، أرى أن هؤلاء المنظرين يتحملون مسؤولية سياسية وأخلاقية ودينية مضاعفة في طمأنة الرأي العام إلى أن الغاية ليست إعادة إنتاج الاستقطاب أو البحث عن إدانة جماعية لأي مكون من مكونات المجتمع، وإنما الإسهام في بناء مصالحة وطنية عادلة وشاملة تعترف بجميع المظالم التي عرفتها البلاد خلال تعاقب الأنظمة، وتنظر إليها بعين الإنصاف نفسها، بعيدا عن الانتقائية أو توظيف الذاكرة لخدمة مشاريع سياسية أو إيديولوجية ضيقة.
ولذلك أتساءل مرة أخري: ما المقصود بهذا الملف على وجه الدقة؟ وما حدوده القانونية والسياسية؟ وهل يتعلق بمرحلة زمنية بعينها أم بكل المظالم التي عرفتها البلاد خلال تعاقب الأنظمة والحكومات؟
إنني أعتقد أن الخشية الحقيقية لا تكمن في فتح ملفات الماضي، بل في انتقائية فتحها. فإذا كانت العدالة مطلوبة، فإنها لا تتجزأ، وإذا كانت المصالحة هدفا وطنيا، فلا يمكن أن تقوم على ذاكرة تنتقي ضحاياها وتغفل آخرين. لقد شهدت موريتانيا، في تقديري، خلال عقود طويلة، أخطاء وتجاوزات ومظالم مست مختلف مكونات المجتمع، ومن ثم فإن أي مقاربة جادة ينبغي أن تنظر إليها بعين واحدة لا بعينين مختلفتين.
بهذه الصيغة يظهر صوت ولد بلعمش بوضوح من خلال: أرى، أتساءل، ألاحظ، أعتقد، في تقديري، في نظري، أجد نفسي، بينما تبقى الحقائق والتحليلات العامة بصيغة موضوعية حفاظا على قوة النص ورصانته…
عبد الرحمن سيد امحمد






