غياب المشروع الوطني… أصل الأزمة لا نتائجها

مقال الأستاذ سيدي علي ولد بلعمش يطرح أسئلة تستحق التوقف عندها، خصوصًا فيما يتعلق بطبيعة القضايا المطروحة للحوار، وحدود توظيف ملفات التاريخ والهوية في النقاش السياسي. فهو يعكس جانبًا من المخاوف الموجودة لدى شريحة من الرأي العام بشأن مستقبل الوحدة الوطنية.
لكن يبقى السؤال الأعمق :
لماذا وصلنا أصلًا إلى هذه المرحلة؟
في تقديري، فإن السبب الرئيس هو غياب القوى الوطنية صاحبة المشروع الجامع، مقابل صعود وهيمنة قوى طفيلية وشاذة متنفذة جعلت من الدولة وسيلة لتقاسم النفوذ والثروة، لا أداةً لبناء الوطن. فحين تنسحب القوى الوطنية من قيادة المشهد، تملأ الفراغَ قوى المصالح، وتتحول القضايا الوطنية الكبرى إلى أوراق للمساومة والاستثمار السياسي.
وثمة ملاحظة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن المقارنة بين موريتانيا والسنغال لا ينبغي أن تُختزل في تشابه بعض الملفات الاجتماعية أو التاريخية؛ فالدولتان تختلفان في طبيعة إدارة الدولة ومؤسساتها. فالسنغال، رغم ما يوجَّه إليها من انتقادات، تُدار بمنطق الدولة ومؤسساتها، بينما تكمن أزمة موريتانيا في ضعف الدولة أمام شبكات النفوذ والمال، وفي تغليب الولاءات والمصالح الخاصة على المصلحة الوطنية. لذلك، فإن معالجة أزماتنا تبدأ ببناء دولة قوية وعادلة، قادرة على فرض القانون على الجميع، لا باستنساخ تجارب الآخرين أو الاكتفاء بعقد المقارنات.
إن ما نعيشه اليوم ليس نتاج ملف العبودية أومايسمي الإرث الإنساني وحدهما، بل هو نتيجة عقود من الفساد، والزبونية، وإضعاف مؤسسات الدولة، وغياب العدالة الاجتماعية، واحتكار القرار والثروة. وفي مثل هذا المناخ تزدهر خطابات الانقسام، لأن الفراغ الوطني لا يبقى فراغًا، بل تملؤه المشاريع الفئوية والعرقية والجهوية.
لذلك، فإن حماية موريتانيا لا تكون بالدخول في معارك الذاكرة، ولا بتبادل الاتهامات، وإنما بإحياء المشروع الوطني الجامع، واستعادة دور القوى الوطنية في مواجهة منظومة الاستبداد والنهب والفساد، وبناء دولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون.
فالمشكلة الحقيقية ليست: “لماذا نحن؟”، بل: “كيف تركنا الساحة حتى أصبحت القوى العابثة بمصالح الوطن هي التي تحدد أجندته، وتوجه مسار نقاشه، وتفرض أولوياته؟”
سيدي محمد ولد أخليفه







