مقالات وآراء

بين شعار الكفاءة وخطاب التطرف … تعليقا على مقال سيدو عبد الله با عن الحوار، المنشور من طرف بلباسي توري

السيد سيدو عبد الله با، قرأتُ مقالكم باهتمام، ووجدتُ أنه يقدم نفسه بوصفه دعوة إلى العدالة والمساواة، لكنه في جوهره يقع في تناقض واضح بين الشعارات التي يرفعها والخطاب الذي يتبناه.

فأنتم تدعون إلى أن تكون الكفاءة والاستحقاق هما المعيار الوحيد لتولي المسؤوليات العامة، وهو مبدأ لا يختلف عليه اثنان، لكنكم، في الوقت نفسه، تختزلون الحياة السياسية في صراع عرقي، وتصبون جام غضبكم على مكوّن وطني بعينه، محمّلين إياه مسؤولية تاريخ الدولة كلها. وهذا الخطاب يناقض مبدأ الكفاءة الذي تدعون إليه، لأن من يجعل الانتماء العرقي محورًا للتقييم لا يكون قد تجاوز منطق المحاصصة، وإنما استبدل محاصصة بأخرى.

كما أن الزعم بأن مكوّنًا واحدًا احتكر السلطة منذ الاستقلال لا يصمد أمام الوقائع التاريخية. فمنذ قيام الدولة الموريتانية، شاركت مختلف المكونات الوطنية، بما فيها المكونات الزنجية، في الحكومات المتعاقبة، وتقلد أبناؤها مناصب وزارية وسيادية وإدارية ودبلوماسية وعسكرية رفيعة. وبالتالي، فإن اختزال مسار الدولة في هيمنة عرق واحد ليس سوى قراءة انتقائية تتجاهل حقائق ثابتة، وتقدم رواية سياسية على أنها حقيقة تاريخية.

أما اعتراضكم على لغة الوثيقة، فمن حق أي طرف أن يطالب بترجمتها إلى جميع اللغات الوطنية حتى تكون متاحة لجميع المواطنين، فهذا مطلب مشروع لا خلاف حوله. لكن تحويل غياب الترجمة إلى دليل على وجود سياسة ممنهجة لإقصاء مكوّن وطني، ثم البناء على ذلك لنزع الشرعية عن الحوار برمته، هو استنتاج يفتقر إلى الموضوعية.

والأخطر من ذلك أن المقال يرفع شعار مقاومة التمييز، بينما يعتمد هو نفسه خطابًا قائمًا على التعميم والإدانة الجماعية. فليس من الإنصاف تحميل مكوّن اجتماعي كامل مسؤولية إخفاقات الدولة، كما أنه ليس من العدل تصوير المواطنين على أنهم كتل عرقية متصارعة، بدل النظر إليهم باعتبارهم شركاء في وطن واحد.

إن الأزمة السياسية في موريتانيا ليست أزمة عرق، وإنما هي أزمة بناء دولة، وحوكمة، وتنمية، وعدالة، ومؤسسات. ولن تُحل بإنتاج خطاب يستبدل الإقصاء بإقصاء مضاد، أو يواجه التعميم بتعميم آخر، وإنما بإرساء دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون، ويكون معيار تولي المسؤوليات هو الكفاءة والنزاهة والاستحقاق، بعيدًا عن أي اعتبار عرقي أو قبلي أو جهوي.

إن موريتانيا بحاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويعالج المظالم بروح الإنصاف والعدالة، لا بخطاب مشبع بالكراهية، يعيد إنتاج الانقسامات ويؤسس لصراعات جديدة، بدل أن يفتح آفاق المصالحة والوحدة الوطنية.

سيدي محمد ولد أخليفه

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى