التمدرس … من مليون شاعر إلى مليون شاغر

النجاح بنت محمذ فال
رغم شح الموارد وقسوة الطبيعة ظل التمدرس التقليدي الموريتاني (المحظرة )
رافعة اقتصادية تكافلية فضلا عن دوره الديني الثقافي …
وقد كان طواقم المحظرة ركائز تنموية لدى الحي وإليهم تعود من تريد حمل أمتعتها على الدواب ومن تريد توفير الحليب لأطفالها، في حين كانت قوافل الفروسية تتولى مهمة تأمين الحي والدفاع عنه
هذا في حال السلم وطبعا للحرب حديث آخر.
فلم لا يكون التمدرس العصري يواجه صعوبات كبيرة لأن التمدرس المحظري شكل أحد لبناته رغم حدة الصراع أحيانا لكن مخزون القيم الرافع لمستوى المعارف ساعد على توفيق نسبي الإثنين …
إلا أن السنوات الأولى للاستقلال كانت كافية لنسج علاقة متوازنة بين التعليمين وساعد في تنمية تلك العلاقة كون الجيل المؤسس للدولة هو جيل محظري قبل المدرسة العصرية ويكفي أن الرئيس المؤسس كان في الثانوية وهو يقارب الثلاثين …
فهل نحن اليوم أمام معوقات كبيرة تحتم علينا تميزا إيجابيا ؟
حسب تقديرات الجهات المعنية فأن مليون طفل موريتاني بلغوا سن التمدرس وإن بدرجات متفاوتة
هل هذه النسبة تتفاوت في مستويات العيش إذا تمت تغطية المدار بنظَام الكفالات ؟
ومالذي يمنع موريتانيا من ان تعمم نظام الكفالات على المدارس الموريتانية لقد كانت الدولة اضعف عند الاستقلال ولكنها تمكنت من تغطية مدارس نموذجية بهذا النظام
رغم أن أذرعا ما كانت ضد ذلك. حيث أن صراعا صامتا جرى بشأن المدارس الريفية وانتصر الطرف الرافض لذلك النمط من التمدرس لأنه استقوى بالفتاوى الرافضة لتمدرس البنات وكذلك نمطية الإدارة المدرسية التي كانت تنظر إلى التمدرس الريفي كطموح أعمى من المختار وبعض طواقمه، مما أدى إلى أن يكون تفرق الناس عن منشآتهم الريفية والقروية وغزوهم لما هو متاح من المدن، الأمر الذي سبب لسكان الريف مآس ما زلنا نتخبط فيها
حين أصبح الآلاف يعانون من شغور قراهم وشغور صدورهم من العلوم والمعارف …
وهو أمر يتطلب عودة صادقة إلى ترتيب أوضاع التمدرس. فالمليون الذي بلغ اليوم سن التمدرس ليس بعضه أحوج من بعض! لأن احتياج الطفل هو احتياج ذويه، وإذا فرضنا أن الأربعين ألفا التي قفزت من الحائط صوب أمريكا لها أطفال فلا شك أنهم محتاجون، كما أن سكان الأرياف والقرى لا تفاوت في مستوياتهم
وليست المطالبة بالتمييز الإيجابي إلا ورقة لتبرير غياب المساواة.
ثم إن التمييز الإيجابي تلح الحاجة له بعد الحروب الأهلية والكوارث…
وطبعا لا شك ان كارثة الجفاف مازلنا نعيش تبعاتها وهي أصلا تتطلب تمييزا إيجابيا لأن نفوق الحيوانات ادى إلى تحولات ماساوية ولكن على أي أساس يمكن حصول تمييز إيجابي
طبعا لا جواب فالكل سيدعي أنه عانى من نفوق الحيوانات لاننا تعودنا على هذه الصورة للاسف
لقد أثبتت تجربة التمييز الإيجابي في امريكا عدم فاعليتها مع انها جاءت محاولة للتغلب على مآسي الحرب الأهلية الأمريكية 1861.
لكن محكمة العدل الأمريكية ألغت العمل بسياسات التمييز الإيجابي (Affirmative Action) معتبرة أن ذلك ينتهك بند “الحماية المتساوية” في الدستور الأميركي. فأي أسلوب سنتبع نحن إذا عجزت أمريكا عن تأمين بنود” الحماية المتساوية “.
ومن هنا فإن تعميم نظام الكفالات المدرسية في القرى والأرياف يصبح ضرورة وليس خيارا بدل إشعار هذا الطفل أو ذاك بأنه يخضع للتمييز الإيجابي بسبب نقص ما أو لشغور ما.






