هل المطلوب ترشيد الدعم أم توسيع الجباية؟ قراءة في سؤال الوزير الأول ولد أجاي

أحمد ولد الدوة
طرح الوزير الأول المختار ولد أجاي على صفحته في فيسبوك سؤالًا يتعلق بجدوى السياسات الحكومية في مواجهة ارتفاع أسعار المحروقات،
متسائلًا: أي الخيارين أكثر نجاعة وإنصافًا للمواطنين، المحافظة على الأسعار السابقة عبر دعم شامل يكلف خزينة الدولة عشرات المليارات، أم توجيه جزء من الدعم إلى الفئات الأقل دخلًا مع الحفاظ على البرامج الاجتماعية والتنموية؟
وهو سؤال مشروع يندرج في إطار النقاش العمومي حول أولويات الإنفاق العام وكيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الاقتصاد وحاجات المجتمع.
غير أن الإجابة على هذا السؤال لا تقتصر على المقارنة بين الأرقام والتكاليف، بل تتصل أيضًا بدور الدولة وطبيعة علاقتها بالمواطن.
يقول ابن خلدون في مقدمته: «إذا مارس الحاكم التجارة فسد الحكم وفسدت التجارة». ولم تكن هذه العبارة مجرد حكمة عابرة، بل تعبيرًا عن فهم عميق لوظيفة الدولة وحدود تدخلها في النشاط الاقتصادي.
فالدولة وجدت لتنظم السوق وتحمي التوازنات الاجتماعية، لا لتصبح طرفًا اقتصاديًا ينافس الفاعلين أو ينظر إلى المواطن من زاوية الإيرادات والأعباء فقط.
ومن هنا يبرز تساؤل جوهري: هل نحن أمام سياسة اقتصادية تهدف إلى ترشيد الدعم وتوجيهه إلى مستحقيه فعلًا؟
أم أننا أمام توجه يتسع فيه الاعتماد على الجباية والرسوم بشكل يجعل المواطن يتحمل أعباء متزايدة في ظل تحديات المعيشة اليومية؟
إن الدولة، السيد الوزير، ليست تاجرًا، بل حكمًا بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. ومهمتها الأساسية هي توفير بيئة عادلة تضمن التوازن بين متطلبات التنمية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة الفئات الهشة وأصحاب الدخل المحدود.
ولا شك أن توجيه الدعم إلى مستحقيه يعد مبدأ اقتصاديًا سليمًا إذا تم وفق معايير واضحة وشفافة، لكن نجاح أي سياسة مالية لا يقاس فقط بما توفره للخزينة من موارد، بل أيضًا بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وثقتهم في مؤسسات الدولة.
فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي سياسة عمومية، وهي لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل بالشعور العام بالعدالة والإنصاف.
وعندما يلمس المواطن أن الأعباء موزعة بشكل متوازن، وأن التضحيات المطلوبة منه تقابلها خدمات وفرص وتحسينات ملموسة في حياته اليومية، يصبح أكثر استعدادًا لتحمل تبعات الإصلاحات الاقتصادية.
إن التحدي الحقيقي أمام الحكومة اليوم لا يكمن فقط في تعبئة الموارد أو خفض النفقات، بل في بناء معادلة تحقق العدالة الجبائية وتحافظ على القدرة الشرائية وتدعم التاجر البسيط والمواطن محدود الدخل، دون الإضرار بمسار التنمية والاستثمار.
فالسياسة المالية الرشيدة هي التي تنجح في التوفيق بين حاجات الدولة وطاقات المجتمع، بحيث يبقى المواطن شريكًا في التنمية لا مجرد ممول لها، وتظل الدولة راعية للمصلحة العامة لا مجرد جهة جباية تبحث عن تعظيم الإيرادات.







