إضاءة على الحلقة الثانية من المقامة الغزوانية: حوار الليل والنهار بين قصر الرشيد العباسي وقصر الدستور الشنقيطي

في هذه الحلقة الأدبية، يمتزج القلم والأصالة الشنقيطية بنفحات العصر العباسي، ليصنعا سيمفونية ممتدة عبر الزمان على شاطئ بحر الوافر. ونوضح لكم اليوم سياق الأبيات التي خُتمت بها المقامة الغزوانية (الحلقة الثانية: مَكِيدَةُ الحِوَارِ وَعَهْدُ الشُّيُوخِ الدَّثَار).
يعود أصل هذه المساجلة إلى ليلةٍ في قصر الخليفة هارون الرشيد وجاريته، حيث ارتجل الخليفة شطراً ووقف عنده وهو: (“كَلَامُ اللَّيْلِ يَمْحُوهُ النَّهَارُ”)، فدخل عليه فحول الشعراء الثلاثة: أبو العتاهية، ودعبل الخزاعي، وأبو نواس، ليتنافسوا في الارتجال، فأنشد أبو نواس قصيدته الشهيرة.
واليوم، تُعارَض تلك الأبيات العباسية بنفس البحر والقافية؛ فكما كانت جارية القصر تراوغ بوعودها، استحضرتُ شخصية الشيخ “ديلول” التاريخية الناقدة لأُجري على لسانه نقد وعود السياسة وحمّى المأموريات وتقلب مواقف الشيوخ، جاعلاً من حكمة ديلول صدىً لقلمي ورؤيتي التحريرية الشنقيطية المعاصرة. وقد ضُمِّن في هذه المعارضة المأثور من المثل الموريتاني الشنقيطي الدارج (الّي جَاوْرُ المَا مَا يِعْطَش) في قالب فصيح، ليظل الحكم المشترك بين ليل القصر العباسي ونهار السياسة المعاصرة: “كَلَامُ اللَّيْلِ يَمْحُوهُ النَّهَارُ”.
إليكم المقاربة بين الأصل العباسي والمعارضة الشنقيطية المعاصرة:
أولاً: أبيات الفحل أبي نواس (في مجلس الرشيد)
وَخُودٍ أَقْبَلَتْ فِي القَصْرِ سَكْرَى … وَزَيْنُ ذَاكَ السِّكْرُ الوَقَارُ
وَقَدْ هَزَّ الرِّيحُ أَرْدَافاً تِخَانًا … وَغُصْناً فِيهِ رُمَّانٌ صِغَارُ
وَقَدْ سَقَطَ الرِّدَاءُ عَنْ مَنْكِبَيْهَا … مِنَ التَّخْمِيشِ وَانْحَلَّ الإِزَارُ
فَقُلْتُ الوَعْدُ سَيِّدَتِي فَقَالَتْ … كَلَامُ اللَّيْلِ يَمْحُوهُ النَّهَارُ
ثانياً: أبيات المقامة الغزوانية
رِئَاسَتُنَا مَرَاسِمُهَا حِوَارُ … وَقَدْ عَقَدَ الرَّئِيسُ لَنَا القَرَارُ
فَقَدْ مَلَّكَ الشُّيُوخُ لَهُمْ قِرَانًا … وَعَاشِقَةُ الْكَرَاسِي لَا تُزَارُ
فَطَلَّقَهَا الثَّلَاثَةَ فَاسْتَحَالَتْ … وَبَانَ الْقُرْبُ وَانْقَطَعَ الْجِوَارُ
أَرَادَ الشُّيُوخُ لَهَا رُجُوعًا … وَإِنْ سَقَطَ الإِزَارُ بَدَا الدِّثَارُ
مُشَاوَرَةُ الشُّيُوخِ كَنَيْلِ مَاءٍ … لِظَامِئَةٍ يُجَاوِرُهَا الجِرَارُ
فَقَالَ لَنَا بِهِ دَيلُولُ قَوْلًا … كَلَامُ اللَّيْلِ يَمْحُوهُ النَّهَارُ
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى







