تعليق على مقال الأستاذ عبد الرحمن سيدي امحمد: “بين لعبة القط والفأر وامتحان الحوار الوطني”

يستحق هذا المقال التقدير لأنه يبتعد عن منطق الاصطفاف السياسي، ويقترب من جوهر القضية، وهو البحث عن حوار وطني يفضي إلى مصالحة حقيقية وبناء دولة عادلة.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في المقال تأكيد الكاتب أن المشكلة ليست في وجود السلطة والمعارضة، وإنما في الانتقال من منطق المناورة إلى منطق بناء الدولة، وهي فكرة تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الأزمات السياسية في موريتانيا.
كما أن دعوته إلى عدم النظر إلى بعض المظالم وإغفال بعضها الآخر تمثل إحدى أهم الرسائل في المقال، فحين يقول إن “العدالة لا تتجزأ، والإنصاف لا يعرف الانتقائية”، ثم يضيف أن حالات الموت في السجون، والتعذيب، والفصل من العمل لا يمكن معالجتها بمكيالين مختلفين تبعًا لهوية الضحية، فإنه يضع أساسًا سليمًا لأي مصالحة وطنية جادة، لأن العدالة التي تميز بين الضحايا تفقد معناها.
ومن أجمل ما ورد في المقال أيضًا قوله إن الوطن الذي يبحث عن المصالحة لا يحتاج إلى ذاكرة انتقائية، بل إلى ذاكرة عادلة تعترف بالآلام حيثما وجدت. وهذه رؤية تستحق أن تكون مبدأً حاكمًا للحوار الوطني، حتى لا يتحول إلى وسيلة لتكريس الانقسام بدل تجاوزه.
كما أن الكاتب أصاب حين أكد أن المواطن لا ينتظر انتصار السلطة ولا المعارضة، وإنما ينتظر انتصار الوطن، وأن نجاح الحوار يقاس بقدرته على تعزيز دولة القانون، وترسيخ العدالة والمساواة، وإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، لا بعدد الاجتماعات أو حجم الوثائق.
وفي الختام، فإن هذا المقال يقدم دعوة مسؤولة إلى أن يكون الحوار الوطني مشروعًا لبناء المستقبل، لا ساحة لتصفية الحسابات أو إعادة إنتاج الصراعات القديمة. وإذا التزمت الأطراف السياسية بهذه المبادئ التي دعا إليها الكاتب، فإن الحوار سيكون بالفعل فرصة تاريخية لوضع أسس دولة المواطنة والعدالة التي يتطلع إليها جميع الموريتانيين.
سيدي محمد ولداخليفه






