مقالات وآراء

حاجتنا إلى إنهاء الفساد، لا إلى الحوار!!!

التراد ولد سيدي
إنّ قادة الرأي عندنا، ورؤساء الأحزاب والحركات والمبادرات والنوادي والجمعيات، من أقرب الموالاة بتنوع أشكالها، ومن أبعد المعارضة بتنوع توجهاتها ومشاربها ومنطلقاتها، جلّهم يتحدثون عن الحوار ونتائجه وأهدافه وتوقعهم لمآلاته. بعضهم يريده مفتاحاً لكل الأبواب المغلقة، وجسراً إلى المشاركة في المال والقوة والسلطة. ويريده البعض إنهاءً للحصار الذي عانوا منه، والتضييق والعزلة. وبعضهم يراه البداية لنيل مكانتهم والفرص الضائعة في الحياة، والتي رغم ما بذلوا وسعوا وقاموا وقعدوا، أعيتهم الحيلة التي بها ينجحون ويصلون إلى ما يطمحون إليه.

إنّ الجميع من طيفنا السياسي يبدون غارقين حتى الآذان في الحديث عن الحوار، والجميع من طيفنا السياسي إذا دققت النظر تراهم خارج الحوار. ترى الجميع تارة متحمسين مندفعين، وتارة أخرى غير متحمسين وغير مهتمين. إنهم حقيقةً، جميعهم دون استثناء، لا يعلمون ما يريدون للحوار، ولا ما يريدون من الحوار!

لماذا الجميع في الحوار والجميع خارج الحوار؟ 
لأننا في الحقيقة لا نعيش حواراً، ولا نسعى لحوار، وليس لنا موضوع للحوار.

إننا في بلد عمره خمس وستون سنة مضت علينا كلها ونحن، بدل أن نبني البلد، دمّرناه. فدمرنا بيئتنا، وصحّرنا أرضنا وبحرنا، ونهبنا ثرواتنا، وأفنينا ثرواتنا الحيوانية ووحوشنا وطيورنا. وبدل أن نتقدم في التعليم ازددنا جهلاً، بإهمالنا للغتنا الوطنية لغة القرآن. فأصبحنا نعيش عالة على لغة أهلها يبحثون عن لغة تحمي علمهم وثقافتهم، نعتمد الفرنسية التي يعجز الفرنسيون عن حمايتها والمحافظة على مكانتها بين لغات العالم الحية، ومن صدف القدر أن منها اللغة العربية التي نهملها ونكاد نلغيها، لولا أننا نؤدي بها صلاة الفرائض. وإنّ الله يحفظها بالقرآن وشرع الله.

إننا بعد ستين عاماً نرى أنفسنا في بلد نخاف تفككه، لأننا لم نستطع إنهاء العنصرية والتمييز بين مكوناته رغم أننا مسلمون، والمسلمون لا فضل لعربي فيهم على أعجمي إلا بالتقوى. ولم نستطع تحقيق المساواة والعدالة في توزيع الثروة والمكانة وفرص الحياة!

إننا بعد خمس وستين عاماً من الاستقلال لدينا مليون كيلومتر بلا طرق. ليست لنا طريق وطني حقي واحد، ولا خطوط سكة حديد تربط بين مناطقنا المتباعدة. ولا نتوفر على خدمات مياه شرب في طول البلاد وعرضها، ولا نتوفر على خدمات كهرباء دائمة في مدننا الرئيسية بما فيها العاصمة، ولا تتوفر مدننا على شبكات صرف صحي. ولا نزرع حاجاتنا للاستهلاك من الحبوب والفواكه والخضار رغم وفرة المياه والتربة في مناطق يمكن باستغلالها إنهاء حاجتنا للمواد الغذائية وتصدير الفائض منها، الذي يكلفنا استيراده المليارات من أموال نحتاجها لأمور أخرى كثيرة، لعل من أهمها قطاع الصحة الذي يعاني، وقطاع التعليم، وقطاعات أخرى مهملة.

أيُعتبر بلد كبلدنا يعيش الحالة التي نعيش، وتحكمه طبقة من المفسدين الذين يرون الخير كله في فعل ما يفيدهم ويفيد أسرهم وأهلهم، والباقي من الناس يكفيه أنهم هم موجودون وأنهم ينجزون ويعطون ويمنحون، ومن خير البلاد يقدمون ويؤخرون، أيُعتبر بلد هذا حاله أنّ هناك حواراً يفيده؟!

أيمكن أن نعتبر شيئاً أكثر أولوية من إنهاء مخلفات الرق، وعلاج ضعف العلاقة بين جميع المكونات، وانتخاب قيادة واعية تحارب الفساد بجدية، وتحارب التمييز والترفع والتهميش والإقصاء؟!

إننا نرى أنه ليس هناك أي أمل في نظام فاسد يجامل الفساد، ويعتمد على المفسدين ويعتمدهم قادة ومسؤولين، في أن يحقق خطوة ولو قصيرة باتجاه التطور والتقدم. نرى أن أول ما نحتاج إليه هو إنهاء الفساد وأهل الفساد، وإنهاء سيطرتهم في الإدارة وفي البرلمان وفي القضاء. فما دام المفسدون يحكمون فماذا يمكن أن يفعلوا سوى ما يملكون؟ إنّ فاقد الشيء لا يعطيه، والمفسدون ليس لديهم إلا ما يناسب حالهم. فلنقضِ على مصدر الفساد. إنّ الفساد مصدره السلطة الفاسدة ومناصروها وداعموها وأحزابها وموالاتها. فهؤلاء هم أهل الحوار، وهم الذين يريدون بالحوار ما يريده أصحاب السلطة: يريدونه للتضليل والتشويه والإشغال والإلهاء، ليبقى المستغلون ينهبون، وأصحاب عملات الرشاوى واتفاقيات التراضي يسرحون ويمرحون، ويظل المفسدون يملكون ما يستطيعون به تأليف قلوب المتزلفين الذين يعيشون من امتداحهم والتحدث عن منجزاتهم الكاذبة وفضلهم وخدماتهم وغير ذلك من أكاذيب جوقة التضليل.

من يريد الحقيقة فإنها تتحصل في أن ليس هناك أمل فيما يقدم عليه المفسدون، وأنّ الأمل الوحيد في زوال هذا النوع السائد من الحكام والمستمر منذ انقلاب 10 يوليو 1978. فالأمل الوحيد في زوالهم وذهابهم، وإيجاد الحكام الصالحين الواعين الذين يخططون ويبرمجون، والذين يعتمدون الأخيار من المواطنين والأكفاء، ويستبعدون الأشرار والجهلة المفسدين.

التراد ولد سيدي

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى