في يوم عرفة.. لماذا تستمر المجازر في غزة ولبنان؟

في الوقت الذي تتجه فيه قلوب ملايين المسلمين إلى السماء في يوم عرفة، ذلك اليوم الذي يُعد من أعظم أيام الله، حيث الرحمة والمغفرة والسكينة، تتجه أنظار أخرى إلى مشاهد الدمار والركام وأصوات القصف والدماء في غزة وجنوب لبنان. وبين تكبيرات الحجيج ودعوات الواقفين على صعيد عرفات، يعلو صراخ الأطفال تحت الأنقاض، وتُفتح أبواب الحزن في بيوت لم يبق فيها سوى الرماد والغياب.
يأتي يوم عرفة كل عام بوصفه مناسبة روحية عظيمة، يترقب فيها المسلمون نفحات الرحمة وقرب الفرج، لكن المشهد يبدو مختلفًا حين تُستقبل أيام العيد على وقع الغارات والانفجارات. ففي غزة، التي تعيش منذ أشهر طويلة تحت نار حرب مدمرة، تتواصل الضربات الإسرائيلية مخلفة أعدادًا متزايدة من الضحايا المدنيين، فيما تتفاقم المأساة الإنسانية بفعل الحصار ونقص الغذاء والدواء وانهيار الخدمات الأساسية.
أما في جنوب لبنان، فإن التصعيد العسكري المستمر يفرض واقعًا ثقيلًا على القرى الحدودية التي تعيش بين النزوح والخوف والترقب.
السؤال الذي يتردد في أذهان كثيرين: لماذا يستمر القتل حتى في أكثر الأوقات قداسة عند المسلمين؟ ولماذا لا تتوقف الحرب في أيام يفترض أن تكون أيام تهدئة وإنسانية؟
من الناحية السياسية والعسكرية، لا تخضع الحروب غالبًا للرمزية الدينية أو المواسم الروحية، بل تتحكم فيها حسابات القوة والميدان والضغط السياسي. فالعمليات العسكرية تُدار غالبًا وفق أهداف استراتيجية وحسابات ميدانية وسياسية لا تراعي الرمزية الدينية أو المواسم الروحية، بل تسعى إلى تحقيق مكاسب عسكرية أو ممارسة ضغط سياسي والتأثير في الرأي العام.
لكن هذا التفسير، رغم واقعيته، لا يخفف من وقع الألم الإنساني ولا يجيب عن الإحساس الجماعي بالمرارة لدى شعوب ترى أن حتى الأعياد لم تعد مساحة للفرح أو الأمان.
في غزة، تبدو المأساة أعمق من مجرد مواجهة عسكرية؛ إذ يعيش السكان تحت ضغط مركب: قصف متواصل، نزوح متكرر، فقدان للأهل والمنازل، وأزمة إنسانية خانقة. هناك أطفال يستقبلون العيد دون ألعاب، وعائلات بلا موائد، وآباء فقدوا أبناءهم قبل أن يشتروا لهم ثياب العيد. أما في لبنان، فالمشهد الحدودي يعكس حالة قلق دائمة، حيث تتكرر الغارات ويتسع الخوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع قد تدفع المنطقة نحو مزيد من المآسي.
ورغم كل ذلك، يظل البعد الإنساني هو الأكثر حضورًا. فحين يُقتل المدنيون وتُهدم البيوت وتتحول المناسبات الدينية إلى لحظات حداد، يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا: كيف يمكن للعالم أن يعتاد صور الدم؟ وكيف أصبحت أخبار الضحايا تمر أحيانًا كأرقام عابرة؟
إن ما يجري في غزة ولبنان لا يُقرأ فقط من زاوية السياسة والحرب، بل من زاوية الإنسان الذي ينتظر هدنة تتيح له أن يلتقط أنفاسه، وأمٍّ تريد أن يمر العيد بلا فاجعة، وطفل لا يفهم لماذا تُقصف مدينته بينما يتحدث الجميع عن السلام والرحمة.
ويبقى الأمل، رغم كل القسوة، حاضرًا في دعوات الملايين يوم عرفة، بأن تتوقف آلة الحرب، وأن يعود للأعياد معناها الحقيقي؛ أيامًا للطمأنينة لا للخوف، وللفرح لا للفقد، وللحياة لا للمجازر.
بقلم: تماد إسلم أيديه
صحفية وباحثة في الشأن العام







