مقالات وآراء

رسائل نواكشوط إلى باماكو: خلفيات التوتر حول مخيم أمبرة في سياق ساحل مضطرب

بقلم: أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي

في خضم التحولات الأمنية التي تعيشها منطقة الساحل منذ سنوات، لم يكن بيان وزارة الخارجية الموريتانية الأخير مجرد رد بروتوكولي على تصريحات صادرة عن الجيش المالي بخصوص مخيم أمبرة للاجئين قرب الحدود الشرقية لموريتانيا. فالبيان، في تقديري، يعكس موقفاً سيادياً واضحاً، ويكشف في الوقت نفسه عن حساسية التوازن الذي تحاول موريتانيا الحفاظ عليه بين واجبها الإنساني تجاه اللاجئين الفارين من أزمات المنطقة، وبين مسؤوليتها في حماية أمنها الوطني في محيط إقليمي شديد الاضطراب.
يقع مخيم أمبرة قرب مدينة باسكنو في الشرق الموريتاني، وقد ظل منذ سنوات فضاءً إنسانياً استقبل آلاف الماليين الذين دفعتهم الحرب وعدم الاستقرار في شمال مالي إلى البحث عن ملاذ آمن. فمنذ أحداث شمال مالي سنة 2012 تدفقت موجات من اللاجئين إلى الأراضي الموريتانية، ووجد كثير منهم في هذا المخيم ملجأً مؤقتاً تحت إشراف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وعدد من المنظمات الإنسانية الدولية.
غير أن القرب الجغرافي من بؤر التوتر في شمال مالي جعل هذا المخيم، بين الحين والآخر، يدخل في قلب النقاشات الأمنية المرتبطة بالوضع في الساحل. ومن هنا يمكن فهم طبيعة الرد الموريتاني الذي حرص على التذكير بالطابع الإنساني للمخيم وبالرقابة الدولية التي تحيط بعمله، رافضاً أي محاولة للخلط بين واقع اللاجئين وتعقيدات المشهد الأمني في المنطقة.
وإذا كان هذا الجدل يعكس جانباً من التوترات التي تشهدها المنطقة، فإنه يعيد أيضاً التذكير بالسياق الأمني الصعب الذي يعيشه الساحل منذ سنوات. فقد أصبحت مساحات واسعة من مالي وبوركينا فاسو والنيجر مسرحاً لنشاط جماعات مسلحة متعددة، من بينها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وكذلك تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى. وقد تمكنت هذه الجماعات من التمدد مستفيدة من ضعف مؤسسات الدولة وصعوبة السيطرة على الفضاءات الصحراوية الشاسعة.
ومع ذلك، يلفت الانتباه أن موريتانيا، رغم موقعها الجغرافي في قلب هذه المنطقة المضطربة، استطاعت إلى حد كبير أن تحافظ على قدر من الاستقرار الأمني مقارنة بجيرانها. ولم يكن هذا الاستقرار وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تجربة طويلة بدأت في وقت مبكر عندما واجهت البلاد تهديدات جدية في منتصف العقد الأول من الألفية.
أتذكر جيداً كيف شكل الهجوم الذي استهدف الموقع العسكري في لمغيطي سنة 2005 صدمة قوية للرأي العام الموريتاني، فقد كان ذلك الحدث بمثابة جرس إنذار كشف أن خطر الجماعات المسلحة لم يعد بعيداً عن البلاد. ثم توالت بعد ذلك أحداث أخرى، من بينها استهداف أجانب وحادثة قتل سياح قرب مدينة ألاك، إضافة إلى هجمات في محيط العاصمة نواكشوط.
دفعت تلك المرحلة الدولة إلى إعادة التفكير في مقاربتها الأمنية، فانتقلت تدريجياً من سياسة دفاعية تقليدية إلى استراتيجية أكثر جرأة تقوم على الاستباق والمبادرة. ومنذ ذلك الحين بدأت موريتانيا تنفيذ عمليات عسكرية استهدفت معسكرات الجماعات المسلحة في المناطق الحدودية، بل إن بعض هذه العمليات امتد إلى داخل شمال مالي سنة 2010، في رسالة واضحة مفادها أن التهديدات لن تُنتظر حتى تصل إلى الداخل.
كما ساعدت طبيعة البلاد الصحراوية على تطوير عقيدة عسكرية خاصة بالجيش الموريتاني تقوم على وحدات خفيفة الحركة قادرة على العمل في البيئات الصحراوية القاسية. وقد أسهمت التجربة التاريخية التي مر بها الجيش خلال حرب الصحراء الغربية في سبعينيات القرن الماضي في صقل خبرته في هذا النوع من الحروب.
لكن المقاربة الموريتانية لم تقتصر على الجانب العسكري وحده، فقد أدركت الدولة مبكراً أن مواجهة التطرف تحتاج أيضاً إلى معالجة فكرية واجتماعية. ولذلك لعب العلماء والمؤسسات الدينية التقليدية دوراً مهماً في نشر خطاب ديني معتدل، كما نُظمت حوارات فكرية مع بعض السجناء المتورطين في قضايا التطرف بهدف تفكيك الأفكار التي تستند إليها الجماعات المسلحة.
ورغم كل ذلك، فإن الواقع الجغرافي يفرض بقاء التحديات قائمة، فحدود موريتانيا مع مالي تمتد عبر مسافات طويلة في قلب الصحراء، وهي منطقة يصعب التحكم في كل تفاصيلها. كما أن استمرار عدم الاستقرار في شمال مالي منذ أكثر من عقد يجعل هذه الحدود دائماً منطقة حساسة تتقاطع فيها التهديدات الأمنية مع شبكات التهريب وحركة السكان التقليدية بين جانبي الحدود.
ولا تقتصر التحديات الأمنية في المنطقة على نشاط الجماعات المسلحة، بل تتقاطع معها أيضاً شبكات التهريب المنظمة التي تنشط في فضاء الساحل والصحراء. فقد تحولت هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم الممرات التي تستغلها جماعات تهريب المهاجرين غير الشرعيين المتجهين نحو شمال إفريقيا وأوروبا، إضافة إلى شبكات تهريب المخدرات القادمة أساساً من أمريكا اللاتينية عبر غرب إفريقيا. وتعتمد هذه الشبكات على المسالك الصحراوية القديمة وعلى هشاشة الحدود في بعض مناطق الساحل، مستفيدة من اتساع المجال الصحراوي وصعوبة مراقبته بشكل كامل. وفي كثير من الأحيان تتداخل مصالح هذه الشبكات الإجرامية مع الجماعات المسلحة، سواء من خلال توفير الحماية مقابل المال أو عبر تقاسم طرق التهريب، وهو ما يجعل من مكافحة هذه الظواهر تحدياً مركباً يتطلب تعاوناً إقليمياً فعالاً لمعالجة جذور هذه الأنشطة غير المشروعة التي تغذي بدورها حالة عدم الاستقرار في المنطقة.
ومن اللافت أيضاً في السياسة الموريتانية خلال السنوات الأخيرة حرصها الواضح على تجنب الانجرار إلى تعقيدات الصراعات الداخلية في مالي، رغم القرب الجغرافي والتداخل الاجتماعي بين سكان المناطق الحدودية في البلدين. فموريتانيا تدرك أن الأزمة المالية تحمل أبعاداً متعددة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والعرقية والقبلية، وهو ما يفرض قدراً كبيراً من الحيطة في التعاطي مع تطوراتها.
لذلك اختارت نواكشوط مقاربة تقوم على الحياد الإيجابي وعدم التورط في صراعات داخلية لا تعنيها بشكل مباشر، مع الحفاظ في الوقت ذاته على يقظة أمنية عالية على طول حدودها الشرقية. وفي هذا الإطار لم تتردد السلطات الموريتانية في اتخاذ إجراءات حازمة كلما ظهر ما قد يشير إلى محاولات لاستغلال الأراضي الموريتانية أو جرها إلى تلك الصراعات، سواء عبر تشديد الرقابة على الحدود أو عبر التعامل الصارم مع أي نشاط قد يهدد أمن البلاد أو يستغل ظروف عدم الاستقرار في المنطقة.
وفي خلفية هذا الجدل يبرز أيضاً عامل آخر لا يمكن تجاهله، يتمثل في هشاشة الوضع السياسي والدبلوماسي للنظام المالي في المرحلة الراهنة. فباماكو التي وجدت نفسها خلال السنوات الأخيرة في مواجهة توترات متزايدة مع عدد من شركائها التقليديين في المنطقة، تبدو اليوم وكأنها تدير سياستها الخارجية بقدر كبير من الارتجال. فبعد التدهور الواضح الذي شهدته علاقاتها مع الجزائر، وهي دولة لطالما لعبت دوراً محورياً في الوساطة في الأزمة المالية، تبدو السلطات المالية وكأنها تخاطر بفتح جبهة توتر جديدة مع موريتانيا، رغم ما تمثله هذه الأخيرة من عامل استقرار مهم في محيط الساحل. مثل هذا المسار لا يعكس فقط صعوبة المرحلة التي تمر بها مالي، بل يطرح أيضاً تساؤلات حول قدرة قيادتها الحالية على إدارة توازنات إقليمية دقيقة في منطقة تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى قدر من الحكمة والتهدئة بدل توسيع دوائر الخلاف.
كما أن ما يزيد من تعقيد الوضع في مالي هو ما يعانيه النظام العسكري الحاكم من صعوبات داخلية متزايدة، سواء على المستوى الاقتصادي أو المعيشي. فالتقارير الواردة من داخل البلاد تتحدث منذ أشهر عن تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى أزمات متكررة في توفير بعض المواد الأساسية وعلى رأسها الوقود، حيث شهدت عدة مدن مالية خلال الفترة الأخيرة اضطرابات مرتبطة بأزمة البنزين ونقص الإمدادات. وتعكس هذه الأوضاع حجم التحديات التي يواجهها النظام في إدارة الشأن الداخلي في ظل ظرف أمني واقتصادي معقد.
وفي كثير من الأحيان تميل الأنظمة التي تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة إلى توجيه الخطاب السياسي نحو الخارج أو خلق توترات دبلوماسية، وهو ما قد يفسر جزئياً حدة بعض التصريحات الصادرة في الفترة الأخيرة، رغم أن المنطقة في حاجة ماسة إلى التهدئة والتعاون بدل الدخول في سجالات سياسية لا تخدم استقرارها.
وفي هذا السياق، يبدو من الضروري أن تتعامل موريتانيا مع مثل هذه البيانات بقدر واضح من الحزم والوضوح. فالدولة التي نجحت خلال السنوات الماضية في ترسيخ قدر معتبر من الاستقرار الأمني في محيط إقليمي مضطرب، لا يمكنها أن تقبل بأي خطاب قد يلمّح، ولو بشكل غير مباشر، إلى التشكيك في التزاماتها الإنسانية أو في قدرتها على ضبط أراضيها. فالحزم في مثل هذه الحالات لا يعني التصعيد أو القطيعة، بقدر ما يعكس تمسكاً بمبدأ السيادة واحترام العلاقات بين الدول على أساس المسؤولية المتبادلة.
وفي السنوات الأخيرة أضيف عامل جديد إلى معادلة الصراع في الساحل تمثل في دخول المجموعات العسكرية الخاصة المرتبطة بروسيا، وعلى رأسها مجموعة فاغنر، إلى شمال مالي بعد تراجع حضور بعض الشركاء الدوليين، وخاصة فرنسا التي كانت لسنوات لاعباً أساسياً في العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة في المنطقة.
غير أن وجود هذه المجموعات أثار الكثير من الجدل، خاصة بعد تقارير متعددة تحدثت عن وقوع ضحايا مدنيين خلال بعض العمليات العسكرية في شمال مالي. وكان من بين هؤلاء الضحايا مواطنون موريتانيون كانوا يوجدون في تلك المناطق لأغراض تجارية أو رعوية، وهو ما أعاد إلى الواجهة هشاشة التوازن القائم في المجتمعات الحدودية التي ترتبط فيما بينها بعلاقات اجتماعية واقتصادية عميقة.
إن مثل هذه الحوادث تذكرنا بأن المقاربة العسكرية الصرفة لا تكفي وحدها لمعالجة تعقيدات الصراع في الساحل. فهذه المنطقة ليست مجرد مسرح للعمليات العسكرية، بل فضاء اجتماعي واسع تعيش فيه مجتمعات اعتادت منذ قرون على التنقل والتبادل عبر الحدود.
ومن هذا المنطلق يبدو بيان الخارجية الموريتانية مفهوماً في سياقه الأوسع؛ فهو ليس فقط دفاعاً عن موقف سيادي أو توضيحاً لملف محدد، بل تعبير عن رؤية موريتانية تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين حماية الأمن الوطني من جهة، والاستمرار في أداء دور إنساني تجاه اللاجئين من جهة أخرى، في منطقة لا تزال تبحث عن طريقها نحو الاستقرار.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى