سنيم … ثراء المناجم وشقاء “الجورنالية” المساواة في “الحرث” والمفاضلة في “الحصاد”

مختصر حول سنيم: هي شركة تعدين موريتانية رائدة في مجال استخراج ومعالجة وتصدير خام الحديد ولها دور حيوي في الاقتصاد الوطني وتساهم بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي.
تأسست في سبعينيات القرن الماضي بعد تأميم “ميفارما”، وتمتلك خط سكك حديدية يربط منجمها في الزويرات بميناء نواذيبو
بالإضافة إلى ذلك تساهم في تنمية المجتمع المحلي في شمال البلاد، وبشكل كبير يمكن القول إنها القطب الموريتاني صاحب الدور الحيوي الأكبر في الاقتصاد الوطني والناتج المحلي الإجمالي
في 11مارس 2021 أصبح المهندس محمد فال ولد التليميدي إداريا مديرا عاما للشركة الوطنية للصناعة والمناجم “سنيم”.
وعلى الرغم من وجود مآخذ على الرجل وإدارته، لا يمكن إنكار أن “سنيم” شهدت قفزات نوعية في مجالات مختلفة، و حققت مستويات قياسية في إنتاج خام الحديد وتحسين عمليات الاستخراج وتطوير البنية التحتية.
” مسلم بين كافرين”
قفز إلى ذهني، في ختام هذ المقال، هذا المثل الشعبي فأحببت أن أجعله مقدمة قبل الشروع في المقال. حقا هذا الوصف يلمس جرحاً غائراً في قلب المنظومة العمالية في الشمال الموريتاني. يشبه عمال “الجرنالية” القابعين بين مطرقة جشع المقاولين وسندان تهميش الشركة، حيث الألم هو أدق توصيف لواقع مرير يعيشه آلاف الشباب الكادحين.
إن قضية “الجورنالية” في شركة “اسنيم” ليست مجرد قضية إدارية، بل هي قضية إنسانية وأخلاقية بامتياز
من المجحف جداً أن يجد العامل نفسه في “قلب الخطر”، سواء في ورشات الصيانة، أو المناجم، أو سكة الحديد، حيث لا يفرق الغبار والحرارة والمخاطر بين رسمي و”جورنالي”، لكن عند توزيع الامتيازات تُرسم حدود فاصلة تجعل “الجورنالي” يشعر وكأنه غريب في وطنه وبين زمائله.
في كل عام، ومع بزوغ شمس النتائج السنوية للشركة الوطنية للصناعة والمناجم “اسنيم”، تتردد أصداء الأرقام القياسية في ردهات المناجم، وتتحول لغة الأرقام الصماء إلى ترانيم فرح تُزف إلى العمال.
وخلال شهر إبريل من العام 2026 عزفت إدارة المدير العام محمد فال ولد التليميدي سيمفونية سخاء غير مسبوقة؛ حيث أقرت حزمة من التحسينات اعتبرها الكثيرون “حقبة ذهبية” للعمال الرسميين، شملت زيادة عامة في الأجور بنسبة 12 بالمائة في العلاوات التحفيزية، لمستوى منح السكن والعزلة، في خطوة شكرتها الألسن وثمنتها الأيادي التي تبني
وترفع قاطرة الاقتصاد الوطني.
لكن خلف هذا البريق المنبعث من أرقام النمو، وفي عمق المناجم، حيث يختلط العرق بغبار الحديد، تلوح صورة أخرى لم تكتمل فصولها بعد. هناك، يقف “عامل الجورنالية”؛ ذلك الجندي الخفي والترس الصامد في ماكينة الانتاج، الذي يؤدي مهام العامل الرسمي بجهٍد قد يربو عليه، ويواجه المخاطر بصدور عارية إلا من الأمل إلى ثبات الذات.
ومع ذلك، يجد “الجورنالي” نفسه في نهاية المطاف يُحرم من “فرحة الحصاد”؛ فبينما يتبادل الرسميون التهاني بالأرباح والمكافآت، يظل هو يرقب المشهد من بعيد، حاملًا “غصة التهميش” في قلب كان يرى في شخص ولد التليميدي مخلصاً ومنقذاً من براثن
العقود الهشة.
لقد كان الأمل يحدو هؤلاء العمال بأن تكون الخبرة والسنون التي قضوها في خدمة المنجم هي “جواز سفرهم” نحو الترسيم. ومع نهاية العام المنصرم، أطلقت “اسنيم” ذراعها الجديد “إكوبارت” شركاء المنظومة الاقتصادية في خطوةٍ أولى من الباطن؛ وهو هدف يبدو في ظاهرِه تنظيماً واعدا،ً غير أن صورته الواقعية لا تزال تعيش في “عتمة” الضبابية. فقد كان المؤمل أن تكون هذه الشركة هي البوابة الشرعية
لإصاف هؤلاء العمال عبر إدراج أصحاب الكفاءات الذين صقلتهم سنوات الجمر، إلا أن أولى خطواتها جاءت مخيبةً لتلك التطلعات؛ إذ اتجهت نحو اكتتاب عمال جدد، متجاوزةً خبرات ميدانية أفنت زهرة شبابها في خدمة الشركة، مما يبدو في نظر الظمآنين
جعل “بريق الأمل” الذي لاح يوما كسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ً
إن الاختبار الحقيقي لإدارة ولد التليميدي لا يكمن في توزيع الفوائض على من نالوا حظ الترسيم فحسب، بل في حلحلة العقدة التاريخية لعمال الجورنالية.
إن الإنجاز الذي سيخلده التاريخ ليس هو تحديث تسيير العقود بأسماء جديدة، بل هو رد
الاعتبار لتلك السواعد السمرة التي لولاها لما ارتفعت أرقام ولا تحققت مبيعات.
“ويبقى السؤال معلقا،ً يتردد مع كل ذرة رمل في هواء “الزويرات” و “نواذيبو” : هل يغتنم ولد التليميدي هذه اللحظة الفارقة ليصوغ من ملف “الجورنالية” ملحمة إنصاف تخلدها الذاكرة العمالية وتتناقله الأجيال كبصمة شرف باقية؟ أم أن رياح الواقع ستذرو تلك الوعود كما تذرو العواصف غبار الميادين، ليبقى الجندي الخفي غريبا يّد أركانها بدمه ً في دا
وعرقه، وينتظر فجرا قد لا يأتي؟
بقلم : محمد الأمين القاسم







