نحو وحدة وطنية جامعة: تفكيك خطاب “أفلام” وتصحيح المقارنة مع الناصرية/احمد ولد الدوه

يقدّم مقال الأستاذ سيدي محمد ولد اخليفه مقاربة نقدية تستحق التوقف عندها، خاصة في ظل الجدل المتكرر حول حركة “أفلام” وموقعها في المشهد الوطني، ومحاولات مقارنتها بتجارب فكرية وسياسية كبرى مثل الناصرية.
وهذه القراءة تنطلق من فكرة مركزية مفادها أن النقاش ينبغي أن يُبنى على الدقة والإنصاف، لا على التعميم أو الأحكام المسبقة.
أول ما يلفت الانتباه هو تفكيك فرضية أن النقد الموجه لحركة “أفلام” صادر عن مكوّن واحد فقط.
فالمقال يبيّن أن هذا الطرح ينطوي على تبسيط مخل، لأن التحفظ على بعض خطابات الحركة لا يقتصر على فئة بعينها، بل يشمل أطيافًا متعددة رأت في بعض مراحل هذا الخطاب نزعات حادة أو توصيفات غير جامعة للمجتمع، وهو ما يستدعي قراءة نقدية تتجاوز منطق الاصطفاف.
-أما فيما يتعلق بالمقارنة مع الناصرية، فإن المقال يضعها في سياقها الصحيح، مبرزًا أن المشروع الناصري، الذي ارتبط بزعامة جمال عبد الناصر، لم يكن قائمًا على أساس عرقي أو فئوي، بل كان مشروعًا تحرريًا وحدويًا واسع الأفق، هدف إلى مقاومة الاستعمار ودعم حركات التحرر في إفريقيا وآسيا
وقد تجسد هذا التوجه في علاقاته مع شخصيات بارزة مثل باتريس لومومبا وكوامي نكروما، حيث شكلت تلك المرحلة نموذجًا للتضامن الدولي ضد الهيمنة الاستعمارية.
وفي السياق الإفريقي كذلك، يشير المقال إلى دور معمر القذافي في دعم حركات التحرر، وهو ما أقر به نيلسون مانديلا، مما يعزز فكرة أن تلك المرحلة كانت محكومة بمنطق التحرر والتكامل، لا بالصراعات الهوياتية الضيقة.
وفي محور اللغة، يقدّم المقال طرحًا متوازنًا، حيث يؤكد أن العربية في موريتانيا لم تكن يومًا أداة إقصاء، بل شكلت تاريخيًا لغة جامعة بحكم ارتباطها بالدين والعلم، مع الإقرار في الوقت نفسه بأهمية ترقية اللغات الوطنية (البولارية، السوننكية، الولفية) ضمن رؤية تكاملية تعزز الإنصاف الثقافي دون خلق تعارض وهمي.
أما بشأن تمثيل “أفلام”، فتدعو القراءة إلى الحذر من التعميم، معتبرة أن الحركة لا تختزل كل المكوّنات الإفريقية في موريتانيا، بل تعبّر عن سياق سياسي وفكري محدد، تشكّل ضمن ظروف تاريخية ونقابية معينة، مع تأثر ببعض التيارات ذات الخلفية الفرنكوفونية.
وفي المقابل، يشير الطرح إلى أن القواعد الاجتماعية التقليدية ظلت أكثر اندماجًا في النسيج الوطني، وأبعد عن الخطابات التصادمية.
الخلاصة:
تؤكد هذه القراءة أن جوهر الإشكال ليس صراع مكوّنات، بل صراع تأويلات ورؤى.
فالمقارنة بين مشاريع تاريخية كبرى وتجارب محلية يجب أن تقوم على أسس علمية دقيقة، لا على إسقاطات سطحية.
كما أن تحقيق الوحدة الوطنية يمرّ عبر الاعتراف بالتعدد، وتعزيز خطاب جامع قائم على الإنصاف والوضوح.
نحو أفق مشترك:
الوطن يتسع للجميع، ولا يمكن بناؤه إلا بخطاب يوازن بين النقد والمسؤولية، ويبتعد عن التعميم، ويؤسس لثقافة حوار تعترف بالاختلاف دون أن تحوله إلى صراع.







