مقالات وآراء

موريتانيا تتراجع عالميًا في حرية الصحافة رغم الصدارة عربيا _ تماد إسلم أيديه

تراجعت موريتانيا 11 مركزًا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، لتحل في المرتبة 61 عالميًا بعد أن كانت في المرتبة 50 خلال 2025، أي بخسارة 11 مركزًا، في وقت حافظت فيه على صدارة الدول العربية في المؤشر ذاته.

هذا التراجع يطرح تساؤلات عميقة حول واقع الإعلام في البلاد، بين مؤشرات إيجابية تعكس هامش حرية معتبر، وتحديات بنيوية ما تزال تقيد تطور القطاع.

خلال السنوات الأخيرة، عرف ترتيب موريتانيا تقلبات واضحة؛ إذ انتقلت من المرتبة 86 عالميًا سنة 2023 إلى قفزة لافتة نحو المرتبة 33 في 2024، قبل أن تتراجع إلى المرتبة 50 في 2025، ثم إلى المرتبة 61 في 2026. ويعكس هذا المسار تحسنًا سريعًا أعقبه تراجع تدريجي، ما يدل على هشاشة المكاسب التي تحققت في قطاع الإعلام.

ورغم هذا التراجع العالمي، احتفظت موريتانيا بموقعها كالأولى عربيًا في حرية الصحافة، كما بقيت ضمن أفضل الدول إفريقيًا. وتكشف هذه المفارقة أن مستوى حرية الصحافة في المنطقة العربية لا يزال عمومًا متدنياً، في حين تظل موريتانيا في موقع “الأفضل نسبيًا” لا “المثالي”.

ويشير التقرير وتحليلاته إلى أن الصحفيين في موريتانيا يعملون اليوم في بيئة أقل قمعًا مقارنة بالماضي، خاصة بعد إلغاء تجريم جرائم النشر سنة 2011، غير أنهم ما يزالون يواجهون تحديات حقيقية، من أبرزها هشاشة المؤسسات الإعلامية اقتصاديًا، وضعف الاستقلالية المالية، وغياب الاستقرار المهني، وهو ما يجعل حرية الصحافة في بعض الأحيان محدودة على المستوى العملي.

وفي مقابل هذه التحديات، يبرز توجه رسمي نحو إصلاح القطاع، حيث يولي رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني اهتمامًا خاصًا بالصحافة، من خلال تبني سياسات تهدف إلى تعزيز حرية التعبير، ودعم مهنية الإعلام، وتطوير الإطار القانوني والمؤسسي. وقد انعكس هذا التوجه في إطلاق مبادرات وبرامج دعم، تسعى إلى تحسين ظروف العمل الصحفي، رغم أن أثرها لم يظهر بعد بشكل واضح في المؤشرات الدولية.

ويرتبط التراجع المسجل بعدة عوامل، من بينها ضبابية بعض النصوص القانونية التي قد تُستخدم لتقييد العمل الصحفي، إضافة إلى ضعف الاستقلال الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية، وصعوبة الوصول إلى المعلومات في بعض الأحيان، فضلًا عن تأثير السياق الإقليمي في منطقة الساحل التي تشهد تراجعًا عامًا في حرية الصحافة بسبب الأزمات الأمنية والسياسية.

ويعكس المشهد الإعلامي في موريتانيا صورة مزدوجة؛ فمن جهة، تقدم البلاد نموذجًا متقدمًا نسبيًا على المستوى العربي، ومن جهة أخرى، يعيش القطاع حالة من التأرجح بين التقدم والاختلالات، ما يجعل تقييم التجربة الإعلامية الموريتانية معقدًا.

ولا يعني هذا التراجع بالضرورة وجود تدهور حاد، لكنه يكشف عن بطء الإصلاحات، ويؤكد أن المكاسب السابقة لم تترسخ بعد بشكل كافٍ، كما يعكس أيضًا تطور دول أخرى بوتيرة أسرع في المؤشر العالمي.

في المحصلة، يضع تقرير مراسلون بلا حدود لعام 2026 موريتانيا أمام معادلة دقيقة: بلد يتصدر عربيًا في حرية الصحافة، لكنه يتراجع عالميًا بسبب هشاشة بنيته الإعلامية. وبين التحديات القائمة والجهود الإصلاحية الجارية، يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل هامش الحرية إلى منظومة إعلامية قوية ومستقلة ومستدامة، قادرة على مواكبة المعايير الدولية، والقيام بدورها كسلطة رابعة فاعلة تعكس صوت المجتمع وتواكب تطلعاته.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى