قراءة موجزة حول تظاهرة الإعلان عن إنشاء “ميثاق المواطنة المتكافئة”

احتضنت دار الشباب مساء أمس الاربعاء تظاهرة سياسية وفكرية خُصصت للإعلان عن إنشاء “ميثاق المواطنة المتكافئة”، وسط حضور عدد من الفاعلين السياسيين والحقوقيين والمهتمين بالشأن الوطني، في خطوة قُدمت باعتبارها محاولة لإعادة صياغة مقاربة قضية العدالة الاجتماعية ضمن إطار وطني جامع يتجاوز الطرح الشرائحي الضيق، ويربط معالجة المظالم التاريخية بمسار بناء دولة المواطنة والإنصاف والوحدة الوطنية.
وقد جاء العرضان الرئيسيان في التظاهرة ضمن رؤية متقاربة ركزت على استعراض مسار النضال ضد العبودية ومخلفاتها في موريتانيا، والتأكيد على ضرورة الانتقال من المقاربة الفئوية إلى المقاربة الوطنية الشاملة. وفي هذا السياق، تم التذكير بأن جذور الاهتمام الرسمي بقضية المساواة تعود إلى عهد الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، من خلال ما ورد في أدبيات حزب الشعب الموريتاني من دعوات لبناء مجتمع يقوم على العدالة والمساواة.
كما استُعرضت أبرز المحطات النضالية التي عرفها هذا المسار، بدءًا بحركة الكادحين، مرورًا بحركة “الحر” و“نجدة العبيد” و“إيرا” و“ميثاق لحراطين”، مع التأكيد على أن هذه الحركات ساهمت، بدرجات متفاوتة، في كشف الاختلالات الاجتماعية والدفع نحو الاعتراف الرسمي بالقضية، كما لعب بعضها دورًا بارزًا في الدفع نحو سنّ القوانين المجرِّمة للعبودية وإثارة النقاش حول بعض النصوص الفقهية المرتبطة بهذه الظاهرة.
وفي المقابل، شددت المداخلات على أن المرحلة الحالية تفرض تجاوز اختزال القضية في بعدها الشرائحي، واعتبارها قضية وطنية تتعلق ببناء دولة عادلة تكفل الحقوق المتساوية والفرص العادلة لجميع المواطنين، بعيدًا عن منطق التصنيف العرقي أو التعبئة الفئوية الضيقة. وأكد المتدخلون أن استمرار معالجة هذه الملفات بمنطق الشرائح المنفصلة، أو توظيفها سياسيًا، قد يفتح المجال أمام توترات تهدد التماسك الوطني، خاصة في ظل محيط إقليمي مضطرب تتصاعد فيه النزاعات ذات الطابع الهوياتي.
وفي هذا الإطار، قُدم “ميثاق المواطنة المتكافئة” باعتباره مشروعًا يسعى إلى توسيع دائرة النضال من أجل العدالة الاجتماعية، عبر إشراك مختلف القوى الوطنية في مواجهة التهميش والإقصاء والحرمان، ضمن رؤية تقوم على المواطنة الجامعة، وتحافظ في الوقت نفسه على وحدة المجتمع وانسجامه.
كما أكدت العروض أن مسألة الهوية الوطنية حُسمت دستوريًا من خلال الانتماء الحضاري العربي الإسلامي لموريتانيا، مع احترام التنوع الثقافي والاجتماعي للمجتمع باعتباره عنصر إثراء لا عامل صراع. غير أن بعض الحاضرين سجلوا ملاحظات تتعلق بالطريقة التي طُرح بها موضوع “التنوع الثقافي” أثناء الحديث عن إصلاح التعليم، معتبرين أن بعض الصياغات بدت غامضة وتحمل ملامح من الطرح التقليدي الذي تتبناه بعض الأوساط الكادحية والفرنكوفونية، خاصة حين يُستخدم مفهوم التنوع بصورة قد تُفهم باعتبارها مدخلًا لإعادة إنتاج ازدواجية الهوية أو التشويش على مكانة اللغة العربية باعتبارها اللغة الجامعة تاريخيًا ودستوريًا.
ورغم الطابع الوطني الذي حاولت التظاهرة التأكيد عليه، فقد سُجلت بعض الملاحظات النقدية على مضامين عدد من المداخلات، حيث رأى بعض الحاضرين أن العرض التاريخي لمسار مقاومة العبودية لم يكن متوازنًا بما يكفي، بسبب التركيز على بعض الحركات دون إبراز أدوار قوى وطنية وفكرية أخرى ساهمت بدورها في مناهضة الرق ومخلفاته، وفي مقدمتها التيار الناصري والقوى القومية والوطنية التي تبنت مبكرًا خطاب العدالة الاجتماعية والمساواة والوحدة الوطنية.
كما اعتبر بعض المتابعين أن اعتماد رواية “الكادحين” بصورة شبه حصرية في تقديم السياق التاريخي للقضية لا يعكس بصورة كاملة تعددية المسارات الوطنية التي ساهمت في مواجهة هذه الظاهرة، وهو ما يتطلب، بحسب هؤلاء، مقاربة أكثر توازنًا وانفتاحًا على مختلف الحساسيات الوطنية.
وفي ما يتعلق بأحداث 1989، أُثيرت ملاحظات أخرى حول بعض المصطلحات المستخدمة في الخطاب، خاصة وصف ضحايا تلك الأحداث داخل موريتانيا بـ“الزنوج الموريتانيين”، مقابل الحديث عن الضحايا في السنغال باعتبارهم “موريتانيين” دون توصيف عرقي مماثل، وهو ما اعتبره بعض الحاضرين استخدامًا لمفردات ذات حمولة عرقية لا تنسجم مع روح مشروع المواطنة الجامعة الذي يدعو إليه الميثاق.
كما طُرحت ملاحظات تتعلق بحصر مظلوميات “الإرث الإنساني” في مكون اجتماعي واحد، في حين يرى عدد من المهتمين أن آثار التهميش والحرمان مست شرائح وفئات متعددة من المجتمع الموريتاني، وإن بدرجات متفاوتة، وأن بناء مشروع وطني جامع يقتضي اعتماد مقاربة شاملة تعالج مختلف الاختلالات بعيدًا عن التصنيفات العرقية والشرائحية الضيقة.
وقد خلص عدد من المتدخلين إلى أن نجاح “ميثاق المواطنة المتكافئة” سيظل مرتبطًا بقدرته على تجاوز الروايات الأحادية، والانفتاح على مختلف القوى الوطنية، وتبني خطاب يعزز الوحدة الوطنية ويؤسس لمعالجة عادلة ومتوازنة للمظالم، ضمن مشروع إصلاحي يحفظ الانسجام المجتمعي ويُرسخ قيم المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة الوطنية.
واختُتمت التظاهرة بالتأكيد على أن “ميثاق المواطنة المتكافئة” ليس مشروعًا موجَّهًا ضد أي مكون اجتماعي، وإنما مبادرة وطنية تسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الإنصاف والوحدة الوطنية، بما يضمن تجاوز رواسب الماضي والانطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارًا وتماسكًا.
سيدي محمد ولد اخليفة







