قراءة في مشهد الثامن يونيو خارج بوابة الثكنات

النجاح بنت محمذ فال
لم يكن التوقيت محل خلاف إنه الثامن يونيو 2003
ولا كانت الآليات التي تحركت بطواقم عسكرية كذلك .. لكن ثلاثة أمور ما تزال محل جدل صامت لا يتناوله الكثيرون
أمور دارت ولا تزال مراكب الزمن لا تكاد تقلها إلى حيث ينبغي ان تصل ألا وهو الرأي العام الموريتاني.
في خضم العلاقات الموريتانية مع الكيان تردد ذلك الوقت أن رئيس نظام الحزب الجمهوري اجتمع بطاقم “أقرب المقربين ” ومن ضمنه في ذلك الوقت الشريف ولد عبد الله والعقيد احمد ولد منيه وغيرهما ممن لا يزالون على قيد الحياة وأبلغهم أن الكيان طلب منه تقديم عربون مودة يتمثل في إخلاء سبيل ما يزيد على مائة ضابط وضابط صف يشكل وجودهم في الجيش خطرا على الكيان والمستقبل “المشرق لعلاقاته مع موريتانيا ..”
انتشر الخبر في أوساط كل الطواقم العسكرية حتى انه أصبح حديثا معادا، وكانت تطرزه وترصعه ردود أفعال المدعوين التي كانت تنسج -أو لربما كان الأمر كذلك فعلا – حول كل واحد منهم
فنسب لولد منيه “هؤلاء هم الذين تقوم عليهم المؤسسة ولا يمكن الاستغناء عنهم”
كما نسب لرجل الأعمال الشريف: “وكيف تتحمل الدولة الأعباء المالية والاقتصادية لفقدان هذا الكم وظائفه وهل يمكن للدولة ان تتحمل ردات فعل قبائلهم ؟”.
انفض الاجتماع دون قرار لكن هواجس التخلص من هؤلاء كانت في رؤية معظمهم على أجندة رئيس الدولة لكنه ينتظر الفرصة الأفضل وكانت اللائحة المقصودة معروفة ولو أنها ظلت تحت عباءة الزمن حتى أنها كانت موضع تندر “اهيه انت اثرك في اللائحة “.
كانت الخيارات أمام رجال الطواقم العسكرية قليلة
إما أن يأنسوا لرأي الدائرة الضيقة التي يمثلها ولد منيه والشريف ولد عبد الله وآخرون وإما أن يتغدوا بولد الطايع قبل أن يتعشى بهم وهو الخيار الأسوأ عند بعضهم لأنه قد يكلف البلد بعض الخسائر التي يعد فقد الأشخاص لوظائفهم أهون بكثير منها.
لكن جمهور هذه الفكرة وهي هزيمة ولد الطايع سلما ظل الأقل حظا، فقد ضاقت الهوة بين أقرب المقربين والجمهور الأول مماجعل البعض يتوهم ان أحداثا ذات صلة بالثامن يونيو والثامن أغشت جرى التحكم فيها من قبل قادة الثالث أغشت
وعودة إلى ‘اللائحة ” واجتماع ولد الطايع بطواقمه فلم يكن استشهاد أحمد ولد منيه في حادث سير مريب ِببعيد عن موضوع اللائحة زمنيا ووقائعيا …
فقد دار الحديث في ذلك الوقت عن كون العقيد تفرد بالموت وليس به اي جرح ولم يتضرر أي من مرافقيه كما أن سيارته بقيت دون أي اثر لأي حادث، هكذا تردد عند عزاء العقيد ولد منيه.
و باستشهاد العقيد ولد منيه اتسعت الهوة بين ثلاث توجهات،
التوجه الأول يرى أن مصير البلاد مهدد وجوديا ليس فقط بالعلاقة مع “إسرائيل” فقط بل بفقده كينونته الحضارية وأن التحرك ضد ولد الطايع تفرضه الوقائع ولهذا الرأي جمهوره الواسع الذي يمثله الرائد محمد ولد شيخنا وآخرون.
أما الرأي الثاني المنبثق من ردات الفعل ضد اللائحة فيرى أن الكف عن تزوير الانتخابات وفرض تأييد ولد الطايع على الأهل والأقارب مسالة كفيلة بإتاحة الفرص للآخرين لقيادة البلاد، ويميل أصحاب هذا الرأي للوقوف إلى جانب احمد ولد داداه في وقوفه ضد حكم ولد الطايع.
وكلا الرأيين محدود النفوذ في الكواليس الأمنية لنظام الحزب الجمهوري.
اما الرأي الأهم من الناحية الأمنية فهو الذي يقوده العقيد اعلي والعقيد ولد العالم والرئيس السابق عزيز والرئيس الحالي ولد الغزواني
وقد صرح العقيد اعلي بذلك لبرنامج لقاء خاص في قناة الجزيرة حين قال إنهم كانوا يخططون للانقلاب على ولد الطايع منذ بعض الوقت أي قبل محاولة صالح اغتيال ولد الطايع
لقد كان ولد الطايع بعد الحديث عن تلك اللائحة خارج الحسابات… فإما التخلص منه سلما عن طريق الصبر عليه حتى يتسنى غيره، أو التخلص منه عسكريا حسب رؤية الرائد محمد ولد شيخنا ورفاقه،
او أمنيا حسب مدرسة العقيد اعلي، وهي المدرسة الأكثر نفوذا والأقل رغبة في الصدام، وهو ما حدث فعلا.
هل كانت جماعة العقيد اعلي تدفع في كل مرة بجماعة أخرى لتسهل لها الطريق؟ سر ذلك عند محمد ولد ابراهيم ولد منصور الذي هو على علاقة خاصة جدا بالعقيد أعلي ولد محمد فال وكذلك أحد أهم قادة القطب الثاني صالح ولد حننا الذي لم يفرج حتى الآن عن أسباب التأخر كل مرة ولا عن معلوماته المتعلقة بالتنسيق مع المدنيين من جماعة الإخوان المسلمين وهل كان ذلك ضمن أجندة متفق عليها مع بقية العناصر الفاعلة في الانقلاب
أما ما أدلت به قناة الجديد (NTV أو Al Jadeed)
التي أعلنت بعد ساعات من مقتل العقيد محمد الأمين انجيان أن الانقلاب ضد ولد الطايع فشل وأن “إسرائيل” هي من أفشلته، فقد تم هذا الإعلان يوم الأحد 8 على تمام الساعة الرابعة بتوقيت جرينتش
وكل ماحدث بعد ذلك هو ترتيب لاستعادة السلطة وليس من أجل إفشال الانقلاب لأن الانقلابيين انسحبوا مساء الأحد بمبادرات مختلفة من بعض قادتهم وكان ما يجمعهم على موقف الانسحاب هو الخوف من سقوط ضحايا كثر في ظل اغتيال قائد الأركان وتصميم ولد الطايع على استعادة السلطة.
ولا شك أن استشهاد ولد انجيان كان له الأثر البالغ في فشل الانقلاب. فمن قتل ولد انجيان هو المستفيد طبعا
كما أن “الدولة” التي أعلنت القناة عن أنها من أفشل الانقلاب مستفيدة أيضا.
والخاتمة التي لا مفر من الاعتراف بها هي أن اللائحة كانت وراء الانقلاب وفشله معا
هل أن التنسيق مع الإخوان أمر تفرد به صالح لوحده أم أن كل الجماعة كانت على صلة بالإخوان
هل كان الثامن يونيو والثامن أغشت آلية للتحرك نحو انقلاب الثالث أغشت؟ أم أن ما نتج عن الثامن يونيو والثامن أغشت من صدامات وانهيار في الثقة بين الدولة والشركاء شكل دافعا للقيام بالثالث أغشت؟.
ولا تتوقف الأسئلة عند هذا الحد بل إن سؤالا حائرا لا يفتأ يلج الصدور: هل بدأ التخلص من اللائحة عند مقتل العقيد ولد منيه؟
ولا تتوقف الأسئلة هل هذه هي اللائحة الوحيدة ؟؟







