مقالات وآراء

رسالتان من السجن.. حين يستدعي الماضي الحاضر، من خلف القضبان!

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

محمد عبد الرحمن ولد عبد الله
كاتب صحفي – نواكشوط
medabd388@gmail.com

في السياسة الموريتانية، حيث تتغير المواقع سريعا ويبقى الماضي حاضرا في الذاكرة، أعادت الرسالة الأخيرة للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز فتح باب قديم على علاقة السلطة بالسجن والخصومة والمصالحة.

سيدي محمد ولد هيدالة، نجل الرئيس الأسبق محمد خونه ولد هيدالة، قال إن رسالة ولد عبد العزيز ذكّرته برسالة بعث بها والده من سجنه في كيهيدي إلى وزير الداخلية آنذاك، المرحوم جبريل ولد عبد الله، في 4 يناير 1986.

بحسب روايته، تحدث الرئيس الاسبق محمدخونه ولد هيدالة في رسالته عن قسوة ظروف الاعتقال وتدهور صحته، وحمل اللجنة العسكرية والرئيس معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع المسؤولية عما قد يحدث له، مع تأكيده إيمانه بأن الإنسان لا يصيبه إلا ما كتب الله له.

ويرى نجله أن العبارة والمضمون يلتقيان، بصورة لافتة، مع رسالة ولد عبد العزيز التي حمل فيها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مسؤولية ما قد يحدث له.

لكن التشابه الأهم، في نظر ولد هيدالة، ليس في الرسالتين وحدهما، بل في ما حدث بعد الرسالة الأولى.

فقد خرج والده من السجن، ثم التقى ـ وفق روايته ـ جبريل ولد عبد الله ومعاوية ولد الطايع، وتجاوز الطرفان خلافات الماضي.

هنا تصبح المقارنة أكثر من مجرد استعادة لواقعة تاريخية.

● من الخصومة إلى التسامح

يدعو سيدي محمد ولد هيدالة الرئيس غزواني إلى العفو عن ولد عبد العزيز، الذي وصفه بأنه «أخوه في السلاح ورفيقه»، مستحضرا تجربة والده مع خصومه السابقين.

وهي دعوة تعكس رؤية صاحبها، لكنها تطرح سؤالا سياسيا أوسع:

هل تستطيع موريتانيا أن تحول خصومات السلطة إلى مصالحة، من دون أن تجعل المصالحة نقيضا للعدالة؟

فالملف القضائي لولد عبد العزيز له مساره وأحكامه، ولا يمكن اختزاله في المقارنة التاريخية. وفي المقابل، فإن العفو ـ حيث يسمح به القانون ـ يظل خيارا سياسيا وقانونيا يمكن أن يفتح نقاشا حول المصالحة الوطنية، من دون أن يعني بالضرورة نفي الوقائع أو إلغاء مبدأ المساءلة.

المشكلة ليست في الاختيار بين العدالة والمصالحة، بل في كيفية الجمع بينهما ضمن إطار قانوني واضح.

● رفاق الأمس،أعداء اليوم!

ما يمنح القضية بعدها الرمزي أن ولد عبد العزيز وغزواني ليسا خصمين نشآ في بيئتين سياسيتين متباعدتين؛ بل جمعتهما المؤسسة العسكرية ومرحلة طويلة من العمل المشترك، قبل أن تنتهي العلاقة السياسية إلى قطيعة ومسار قضائي.

وهذه إحدى المفارقات المتكررة في تاريخ موريتانيا:
رفاق الأمس قد يصبحون خصوم اليوم، ثم يأتي الزمن ليعيد ترتيب الصورة من جديد.

لذلك فإن السؤال الذي تطرحه تجربة هيدالة لا يتعلق فقط بمصير رجلين، وإنما بكيفية تعامل الدولة مع الخصومة السياسية عندما تتغير موازين القوة.

● «التاريخ لا يرحم»

عبارة ولد هيدالة بأن «التاريخ لا يرحم» تختصر جوهر النقاش.

فالسلطة مؤقتة، والسجن مؤقت، والخصومة السياسية كذلك. أما القرارات التي تتخذ في لحظات القوة، فتبقى في الذاكرة العامة.

لكن التاريخ لا يحاكم السياسيين بمنطق المصالحة وحدها، ولا بمنطق العقوبة وحدها؛ بل يسجل أيضا مدى احترام المؤسسات للقانون، وحقوق الإنسان، وقدرة الدولة على تجاوز الثأر السياسي.

ومن هنا فإن أي نهاية لهذا الملف ستحتاج إلى أن توازن بين هيبة القضاء، وحقوق السجين، وإمكانات العفو التي يتيحها القانون، والمصلحة العامة.

● الدرس الموريتاني

بعد أربعة عقود تقريبا من رسالة هيدالة، تعود رسالة أخرى من خلف القضبان لتذكر بأن السلطة تتغير، وأن الذين يقفون اليوم في طرفي الخصومة قد يجمعهم غدا تاريخ واحد!!

قد لا تتطابق القضيتان، ولا يمكن إسقاط تجربة هيدالة وولد الطايع حرفيا على ملف ولد عبد العزيز وغزواني. لكن التاريخ يمنح الحاضر فرصة للتأمل.

فالسؤال ليس فقط: من انتصر في الخصومة؟

بل: كيف ستنتهي الخصومة، وماذا ستترك وراءها؟

إذا كان العفو ممكنا قانونا، فليكن قرارا واضح الأساس؛ وإذا كان القضاء قد قال كلمته، فليظل القانون محترما؛ وإذا كانت هناك مخاوف صحية، فلتضمن الرعاية الطبية بعيدا عن التجاذب السياسي.

تلك هي المسافة التي تفصل المصالحة عن الإفلات من المسؤولية، والعدالة عن الانتقام.

وربما لهذا استدعى سيدي محمد ولد هيدالة رسالة والده القديمة: ليقول إن الخصومات التي تبدو مستعصية اليوم ليست بالضرورة قدرا أبديا.

فالسلطة تتغير، والسجون تفتح أبوابها، والخصومات تنتهي؛ أما الدولة والتاريخ فيبقيان.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى