بين المرض والسياسة: ماذا تكشف رسالة محمد ولد عبد العزيز إلى الرئيس الغزواني؟

بقلم: أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي
ليست الرسالة المفتوحة التي وجهها الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مجرد شكوى من ظروف السجن أو عرض مفصل لوضع صحي متدهور. إنها، في بنيتها ومضمونها، وثيقة تجمع بين المرافعة السياسية والدفاع القانوني والاحتجاج الحقوقي والطلب الطبي.
ولذلك فإن قراءتها تحتاج إلى قدر كبير من الهدوء، خصوصاً في قضية شديدة الاستقطاب مثل قضية الرئيس السابق. فالمطلوب ليس تبني روايته ولا رفضها مسبقاً، وإنما التمييز بين الوقائع التي يمكن التحقق منها، والاستنتاجات التي يبنيها عليها، والاتهامات التي يوجهها إلى مؤسسات الدولة وأشخاصها.
منذ السطور الأولى، يربط ولد عبد العزيز بين وضعه الصحي الحالي وبين سنوات الاحتجاز، ويعتبر أن ما تعرض له من أمراض لم يكن منفصلاً عن ظروف سجنه، بل نتيجة مباشرة لها أو نتيجة لتفاقمها. ثم ينتقل من الحديث عن المرض إلى الحديث عن المسار القضائي الذي أوصله إلى السجن، ليقدم القضية برمتها باعتبارها مساراً متكاملاً من الاستهداف السياسي والقضائي.
وهنا تظهر أولى المسائل التي ينبغي الفصل بينها. فكون شخص ما يعاني من أمراض أثناء فترة السجن لا يثبت، في حد ذاته، أن السجن هو سبب تلك الأمراض. إثبات العلاقة السببية يحتاج إلى تقييم طبي مستقل، يأخذ في الاعتبار الحالة الصحية السابقة، وتسلسل ظهور الأعراض، وظروف الاحتجاز، والفحوص الطبية المتعاقبة.
لكن ذلك لا يعني، في المقابل، أن الشق الصحي يمكن اختزاله باعتباره جزءاً من خطاب سياسي. فالرسالة تقدم مجموعة من المعطيات الطبية التي تستحق، من حيث المبدأ، التحقق والدراسة بعيداً عن الموقف من صاحبها.
فهي تتحدث عن اضطرابات تنفسية متكررة، ونوبات ضيق في التنفس، وتغيرات ظهرت في التصوير المقطعي، واحتمال وجود مرض رئوي خلالي، إلى جانب مشكلات متقدمة في مفصلي الركبتين، فضلاً عن مخاطر مرتبطة بالقلب والأوعية. والأهم أن بعض التقارير التي يستشهد بها الكاتب لا تكتفي بوصف الأعراض، وإنما تتحدث عن الحاجة إلى فحوص متخصصة واستشارة متعددة التخصصات.
ومع ذلك، فإن القراءة الدقيقة للنص الطبي الذي أوردته الرسالة تكشف ضرورة تجنب المبالغة. فالتقرير، بحسب ما تنقله الرسالة نفسها، يتحدث عن معطيات “توحي” بوجود مرض رئوي خلالي، ويؤكد أن هذا الرأي لا يحل محل الاستشارة المتخصصة أو الفحص السريري الشامل أو المناقشة متعددة التخصصات.
وهذه نقطة جوهرية. فالحديث عن وجود مؤشرات تستدعي مزيداً من الفحوص ليس هو نفسه إعلان تشخيص نهائي. ومن ثم فإن القضية الطبية الأكثر دقة ليست: هل ثبت وجود مرض معين؟ وإنما: هل توجد مؤشرات طبية كافية تجعل إجراء فحوص متقدمة أمراً ضرورياً، وهل تتوفر هذه الفحوص داخل البلاد أم يتطلب الأمر الاستعانة بمركز متخصص في الخارج؟
الأمر نفسه ينطبق على مشكلة الركبتين. فالرسالة تنتقد الطريقة التي صيغ بها السؤال أمام اللجنة الطبية، حين انحصر في إمكانية إجراء عملية استبدال المفاصل داخل موريتانيا من عدمها. وهذه ملاحظة تستحق النقاش؛ لأن السؤال عن القدرة التقنية على إجراء عملية ما يختلف عن السؤال حول مدى ملاءمة إجرائها لمريض محدد، بالنظر إلى سنه ووضعه القلبي والتنفسي والمخاطر المرتبطة بالتخدير والجراحة.
لكن حتى هنا، ينبغي الحذر من الانتقال مباشرة من وجود سؤال طبي ضيق إلى الاستنتاج بوجود تدخل سياسي متعمد. فإثبات أن صياغة السؤال كانت غير كافية لا يثبت وحده أن الغرض منها كان منع العلاج.
وهذه المسألة تتكرر في الجزء الأكثر حساسية من الرسالة، والمتعلق بتعدد اللجان الطبية واختلاف تقاريرها. يقول ولد عبد العزيز إن تقريراً طبياً أولياً انتهى إلى توصيات معينة، ثم تشكلت لجان جديدة، وأضيف أطباء واستُبعد آخرون، وانتهى الأمر إلى رأي مختلف. كما يقول إن إحدى الطبيبات رفضت توقيع التقرير الجديد لأنه يتناقض مع تقريرها السابق ولم تتم دعوتها إلى الاجتماع الذي أُعد فيه.
إذا كانت هذه الوقائع موثقة فعلاً، فهي تطرح أسئلة مشروعة حول آليات تشكيل اللجان الطبية، ومعايير استقلالها، وكيفية التعامل مع اختلاف الآراء الطبية.
لكن اختلاف الأطباء، في حد ذاته، ليس دليلاً على وجود تدخل سياسي. فالطب، خصوصاً في الحالات المعقدة، يعرف اختلافاً في التقدير، وقد يختلف الأطباء حول درجة خطورة حالة معينة، أو حول توقيت إجراء الفحوص، أو حول المكان الأنسب للعلاج.
المسألة تصبح أكثر حساسية عندما يتحول الاختلاف الطبي إلى قرار يمس حرية شخص وحياته الصحية. وهنا تبرز الحاجة إلى معيار واضح: هل اتخذ القرار بناء على تقييم طبي مستقل لمصلحة المريض، أم بناء على اعتبارات خارجة عن المجال الطبي؟
ولعل هذا هو السؤال الأهم الذي تطرحه الرسالة، حتى لو لم تستطع هي نفسها تقديم دليل قاطع على الإجابة عنه.
فالسجين، مهما كانت طبيعة الجريمة التي أدين بها، لا يفقد حقه في الرعاية الصحية. والحكم القضائي يسلب الحرية في الحدود التي يقررها القانون، لكنه لا يحول السجن إلى مساحة خارجة عن القواعد الطبية والإنسانية.
ومن هذه الزاوية، فإن قضية ولد عبد العزيز الصحية يمكن فصلها مؤقتاً عن الجدل حول براءته أو إدانته. فمن الممكن أن يعتقد شخص أن الحكم القضائي صحيح، ومع ذلك يرى أن السجين ينبغي أن يحصل على أفضل رعاية طبية متاحة. كما يمكن لشخص آخر أن يعتقد أن الحكم غير عادل، دون أن يعني ذلك تلقائياً أن كل استنتاج طبي يرد في دفاع السجين صحيح.
وهذا الفصل ضروري حتى لا تتحول الرعاية الصحية إلى امتداد للخصومة السياسية.
أما المقارنات التي تجريها الرسالة مع سجناء آخرين أو مع قضايا فساد وإثراء غير مشروع، فهي مفهومة في سياق الخطاب السياسي للكاتب، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود تمييز في معاملته. فإثبات التمييز يحتاج إلى مقارنة حالات متشابهة، من حيث الوضع القانوني والطبي وظروف الاحتجاز، ثم بيان اختلاف المعاملة بينها.
كذلك فإن اتهام الرئيس شخصياً بأنه يقف وراء الإجراءات التي يتحدث عنها ولد عبد العزيز يمثل موقفاً سياسياً وقانونياً شديد الخطورة، ولا يمكن اعتباره حقيقة مثبتة بمجرد وروده في رسالة موجهة إليه. إثبات المسؤولية الشخصية يتطلب أدلة على وجود توجيه أو قرار أو تدخل مباشر، وليس مجرد الاستنتاج من تسلسل الأحداث.
ومع ذلك، فإن الرسالة تحمل دلالة سياسية واضحة. فبعد سنوات من الصراع القضائي، يحاول ولد عبد العزيز إعادة صياغة القضية أمام الرأي العام من سؤال “هل هو مذنب أم بريء؟” إلى سؤال مختلف: “هل يجوز أن يتحول الحكم القضائي إلى سبب يحول دون حصول السجين على العلاج الذي يحتاج إليه؟”
وهذا التحول ليس تفصيلاً خطابياً. إنه ينقل النقاش إلى مساحة أكثر إنسانية وحقوقية، حيث لا تكون القناعة السياسية بالرئيس السابق شرطاً للتعاطف مع وضعه الصحي أو للمطالبة بضمان حقه في العلاج.
وفي المقابل، فإن قوة هذا المسار تعتمد على استقلالية التقييم الطبي. فإذا كانت هناك تقارير متعارضة، فإن الحل الأكثر اطمئناناً للرأي العام ليس اختيار التقرير الذي يخدم هذا الطرف أو ذاك، وإنما إجراء تقييم طبي مستقل، واضح المعايير، يشارك فيه اختصاصيون لا علاقة لهم بالخصومة السياسية أو القضائية.
وقد يكون من المفيد، في مثل هذه الحالات، أن يجيب التقييم المستقل عن أسئلة محددة: ما التشخيصات المؤكدة؟ ما التشخيصات المحتملة؟ ما الفحوص الضرورية؟ ما الذي يمكن إجراؤه داخل موريتانيا؟ ما الذي يتطلب مركزاً خارجياً؟ وهل يمثل تأخير الفحوص أو العلاج خطراً طبياً حقيقياً؟ وهل يمكن توفير العلاج المناسب في السجن أم أن الحالة تستدعي نقله إلى منشأة صحية متخصصة؟
مثل هذه الإجابات ستكون أكثر فائدة من السجال السياسي، لأنها تفصل بين الحقائق الطبية وبين التأويلات السياسية.
في النهاية، تكشف رسالة محمد ولد عبد العزيز عن مأزق يتجاوز شخصه. إنها تضع الدولة أمام سؤال أوسع يتعلق بحدود التعامل مع السجين السياسي أو المسؤول السابق الذي أصبح طرفاً في نزاع سياسي وقضائي طويل: هل تستطيع المؤسسات أن تفصل بصورة كاملة بين الحكم على الشخص وبين واجبها في حماية حقوقه الأساسية؟
وفي المقابل، تضع الرسالة صاحبها أمام مسؤولية لا تقل أهمية: فإذا كان يريد أن يحول قضيته الصحية إلى قضية حقوقية عامة، فإن أفضل ما يمكن أن يدعمها هو تقديم ملف طبي كامل، وإخضاعه لتقييم مستقل، والقبول بأن تكون النتائج الطبية ــ لا المواقف السياسية ــ هي أساس القرار.
وهنا ربما تكمن المساحة التي يمكن أن يلتقي فيها المختلفون حول قضية ولد عبد العزيز: ليس مطلوباً الاتفاق على روايته السياسية، ولا إعادة فتح الحكم القضائي عبر الخطاب الإعلامي، وإنما ضمان أن يبقى المرض مرضاً، والطب طباً، والقضاء قضاءً، والسياسة سياسة.
فالفصل بين هذه المجالات هو، في نهاية المطاف، أحد الاختبارات الأساسية لقدرة الدولة على حماية هيبة مؤسساتها وحقوق الأفراد في الوقت نفسه.







