مقالات وآراء

حين يُباع القلم: الصحافة أكبر من المال ومن السلطة

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

الصحافة ليست وظيفة لتسويق أصحاب النفوذ، ولا سلعة تُشترى بالمال، ولا منصة لتلميع صورة وزير أو رجل أعمال أو مسؤول.
إنها، قبل كل شيء، رسالة تقوم على المصداقية والاستقلالية والقدرة على قول ما يجب أن يُقال، لا ما يرغب أصحاب المال والسلطة في سماعه.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب المهنة هو تحوّل بعض الأقلام إلى أدوات مأجورة لخدمة النفوذ السياسي أو المالي، بحيث يصبح الموقف التحريري قابلاً للبيع والشراء، ويُستبدل الانحياز للمصلحة العامة بالانحياز لمن يدفع أكثر.
فالصحفي الذي يبيع خطه التحريري مقابل المال أو الجاه لا يخسر استقلاليته فقط؛ بل يبدد رأس المال الحقيقي الذي تقوم عليه مهنته هو الثقة.
وقد تكون السلطة قادرة على منح المناصب، وقد يملك رجل الأعمال المال والنفوذ، لكن كل هذه الامتيازات مرتبطة بظروف ومواقع قابلة للتغير. أما الصحفي، فقيمته الحقيقية تكمن في استقلال صوته. لذلك يفترض أن يكون أكبر من إغراء المال وأبعد من الارتهان لأصحاب النفوذ، وأن يدرك أن الدفاع عن شخص أو مسؤول لا يصبح عملاً إعلامياً لمجرد أنه نُشر في صحيفة أو على منصة إعلامية.
ليس المطلوب من الصحفي أن يكون خصماً للوزير أو رجل الأعمال أو الرئيس، كما ليس مطلوباً منه أن يكون تابعاً لهم؛ بل المطلوب أن يكون صحفياً، يسأل، ويدقق، وينتقد حين تستوجب الوقائع النقد، ويشيد حين تستوجب الوقائع الإشادة، دون أن يتحول قلمه إلى مقابل مالي أو أداة لتصفية الحسابات.
أما حين يصبح المال السياسي قادراً على شراء المواقف، وتتحول بعض المنابر إلى أبواق مدفوعة لتجميل المسؤولين وتبرير أخطائهم، فإن الضرر لا يلحق بصاحب القلم وحده، بل يصيب صورة الصحافة كلها، ويقوض ثقة المواطن في الإعلام ويشوّه وظيفة المهنة ورسالتها.
قد يخسر القلم الحر مالاً أو امتيازاً، لكنه يحتفظ بأغلى ما يملك الصحفي وهو اسمه ومصداقيته.
أما القلم الذي يُباع، فقد يكسب صاحبه مالاً عابراً، لكنه يخسر ما لا يمكن شراؤه بعد ذلك وهو ثقة الناس.

التحرير

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى