حين يصبح الضمير سلعة … الاستبداد والفساد وصناعة المناخ الذي يبيع فيه الإنسان مبادئه

بقلم: سيدي محمد ولد أخليفه
««أحقر أساليب الاستبداد هي جعل الذل مفتاح الرزق؛ حينها يهبط الشريف إلى القاع، ويصعد الوضيع إلى القمة، ويُكرَم الجهل ويُهان العقل، ويصبح بيع الضمير هو المؤهل الوحيد للثراء!»»
ليست هذه العبارة مجرد توصيف قاسٍ لواقع سياسي مختل، وإنما تختزل واحدة من أخطر آليات الاستبداد والفساد: تحويل القيم من معايير للارتقاء إلى عوائق أمامه، وتحويل الولاء الشخصي والتملق والانتهازية إلى مؤهلات للحصول على المال والنفوذ والمكانة.
فالفساد لا يبدأ وينتهي بسرقة المال العام، ولا يختصره إبرام صفقة مشبوهة أو استغلال مسؤول لمنصبه.
الأخطر من ذلك كله أن يتحول الفساد إلى منظومة تعيد ترتيب المجتمع وفق معايير جديدة؛ فيُهمَّش الشريف، ويُقصى الكفء، ويُقرَّب الموالي، ويصعد الانتهازي، ويصبح صاحب الموقف المستقل مصدر إزعاج للسلطة بدل أن يكون عنصر قوة للدولة.
الاستبداد لا يسرق المال فقط… بل يسرق معايير الصعود
في الدولة السليمة، يفترض أن يكون طريق الإنسان إلى المسؤولية والمكانة واضحًا: الكفاءة، والنزاهة، والعمل، والإبداع، وخدمة المجتمع.
لكن حين يستشري الفساد، تنقلب المعادلة.
يصبح السؤال:
من تعرف؟ ولمن أنت مخلص؟ كم تستطيع أن تصفق؟ وهل تستطيع أن تصمت عندما ينبغي أن تتكلم؟
وهنا تبدأ الكارثة.
فحين يدرك الموظف أن الكفاءة وحدها لا تكفي للترقية، وأن النزاهة قد تحرمه من الامتيازات، وأن صاحب الموقف المستقل معرض للتهميش، بينما يحصل المقرّب على المنصب، يبدأ في مراجعة حساباته.
ليس بالضرورة لأنه وُلد فاسدًا، وإنما لأن المنظومة نفسها أصبحت تكافئ السلوك الفاسد وتعاقب السلوك المستقيم.
وهكذا يتحول الفساد من ممارسة فردية إلى ثقافة اجتماعية.
حين تصبح لقمة العيش وسيلة لصناعة الولاء
أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة الفاسدة هو أن تجعل الرزق مرتبطًا بالولاء السياسي أو الشخصي.
حين يشعر الموظف أن التعيين والترقية والسفر والامتيازات مرتبطة بدرجة القرب من أصحاب النفوذ، تتغير علاقة المواطن بالدولة.
لا يعود يرى الدولة مؤسسة يُحتكم إليها، وإنما يراها بابًا يحتاج إلى مفتاح، وهذا المفتاح يوجد عند شخص نافذ.
ومن هنا تنتشر ثقافة خطيرة:
المواطن لا يبحث عن حقه، بل عن واسطته.
والموظف لا يبحث عن القانون، بل عن التعليمات غير المكتوبة.
والسياسي لا يبحث عن البرنامج، بل عن موقعه داخل دائرة النفوذ.
والإعلامي قد لا يسأل: ما الحقيقة؟ وإنما: من المستفيد من نشرها؟
وهكذا يتحول الاستبداد إلى شبكة من المصالح، ويصبح الفساد قادرًا على إعادة إنتاج نفسه، حتى من دون أن يصدر الحاكم أمرًا مباشرًا.
حين يتحول المديح إلى استثمار
من أكثر مظاهر فساد البيئة السياسية والإدارية شيوعًا المبالغة في مدح المسؤولين، حتى عندما تكون الوقائع نفسها مدعاة للمساءلة.
قد يفشل مشروع، أو تحترق منشأة، أو تتعطل خدمة عامة، ثم تتحول الكارثة إلى مناسبة للثناء.
بدل أن يكون السؤال:
لماذا حدث ذلك؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وكيف نمنع تكراره؟
يتحول الخطاب إلى:
زيارة المسؤول دليل على الاهتمام، وتوجيهاته إنجاز، ووقوفه أمام آثار الكارثة بطولة!
وهنا نصل إلى مرحلة أكثر خطورة: تزييف الواقع لصالح السلطة.
فالفساد لا يخاف فقط من الصحفي الذي يكشفه، وإنما يخاف أكثر من المواطن الذي يرفض تسمية الفشل نجاحًا.
وعندما يصبح الحريق إنجازًا، والتأخر إنجازًا، والعجز إنجازًا، والتعيين غير المستحق إنجازًا، فإن المجتمع لا يخسر المال العام فقط، بل يخسر قدرته على التمييز بين النجاح والفشل.
الموظف الذي يعرف الحقيقة… لكنه يصمت
في مؤسسة يسودها الفساد، قد يعرف موظف أن مشروعًا معينًا لا يستحق التكلفة المرصودة له، أو أن صفقة ذهبت إلى جهة لا تستحقها، أو أن أرقامًا جرى تضخيمها.
لكنه يصمت.
لماذا؟
لأنه يعرف أن من يتكلم قد يخسر موقعه، بينما من يوقّع ويصمت قد يحصل على ترقية.
وهنا لا يكون الفساد مجرد سرقة للمال، وإنما يصبح سرقة للشجاعة.
فالمنظومة الفاسدة لا تحتاج إلى أن تجعل الجميع لصوصًا؛ يكفي أن تجعل معظم الناس خائفين من مقاومة اللصوص.
وهذا أخطر.
حين يصبح الجهل أكثر أمانًا من المعرفة
إن عبارة «يُكرَم الجهل ويُهان العقل» ليست مبالغة في بعض البيئات التي تضع الولاء فوق الكفاءة.
فالسلطة الفاسدة لا تشعر بالراحة أمام الشخص المستقل الذي يفهم القانون، ويقرأ الأرقام، ويطرح الأسئلة، ويطالب بالوثائق، ويعرف حقوقه.
أما الشخص الذي لا يسأل ولا يناقش ولا يعترض، فقد يكون أكثر راحة للمنظومة.
وهكذا قد نرى:
▪️ تهميش صاحب الكفاءة لأنه مستقل.
▪️ تقديم الأقل كفاءة لأنه أكثر ولاءً.
▪️ إبعاد المتخصص لأنه يطرح أسئلة محرجة.
▪️ تقريب من يجيد المديح والتبرير.
▪️ تحويل بعض المنابر إلى أدوات لتجميل الواقع بدل نقده.
ومع مرور الوقت تحدث عملية إفقار مؤسسي للعقول.
الأكفاء يغادرون أو يصمتون، والانتهازيون يتقدمون، والمؤسسة تفقد تدريجيًا قدرتها على الإصلاح من «الواسطة» إلى «دولة الواسطة»
الواسطة في صورتها الفردية قد تبدو مخالفة محدودة، لكن الخطر يبدأ عندما تصبح قاعدة عامة.
إذا كان شخصان متساويين في الكفاءة، فتقدم أحدهما لأنه ابن فلان أو قريب فلان أو موالٍ لفلان، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع واضحة:
لا تتعب كثيرًا في تطوير نفسك؛ ابحث عن الشخص الذي يملك المفتاح.
وهكذا يُقتل الحافز على العمل.
الطالب المجتهد يتساءل: هل الشهادة وحدها تكفي؟
والشاب الباحث عن وظيفة يسأل: من أعرف؟
والمقاول يسأل: بمن أتقرب؟
والسياسي يسأل: أين أقف حتى أحصل على نصيبي؟
وبذلك تتحول الدولة تدريجيًا من دولة المؤسسات إلى دولة العلاقات.
الظاهرة ليست مرتبطة ببلد واحد
التاريخ الحديث يقدم نماذج متعددة لأنظمة تداخلت فيها السلطة والثروة وشبكات المحسوبية.
ففي عهد فرديناند ماركوس في الفلبين، ارتبط الحكم بشبكات واسعة من المحسوبية والمصالح الاقتصادية.
وفي عهد موبوتو سيسي سيكو في زائير، أصبحت المحسوبية والفساد جزءًا من بنية الحكم، وأدى تركيز السلطة والثروة إلى إضعاف مؤسسات الدولة.
وفي إندونيسيا خلال حكم سوهارتو، نشأت شبكات واسعة من المصالح والمحسوبية المرتبطة بعائلة الحاكم والمقربين منه.
ورغم اختلاف البلدان والظروف، فإن القاعدة واحدة:
عندما تضعف المؤسسات، وتتركز السلطة، وتتداخل السياسة بالثروة، يصبح الفساد قادرًا على إعادة إنتاج نفسه. الأخطر أن يقتنع الناس بأن النزاهة سذاجة
ربما تكون هذه أخطر مراحل الفساد.
في البداية يخجل الفاسد من فساده.
ثم يبدأ في تبريره.
ثم يصبح الفساد أمرًا عاديًا.
ثم يبدأ المجتمع في السخرية من النزيه.
يقال عنه:
«لا يعرف كيف يعيش.»
«لا يعرف كيف يستفيد.»
«رجل طيب، لكنه ساذج.»
وهنا تكون المنظومة قد حققت انتصارها الأكبر.
فهي لم تعد بحاجة إلى معاقبة الشريف؛ لقد نجحت في إقناع المجتمع بأن الشريف هو الخاسر.
وهذا هو المعنى العميق لعبارة:
«ويصبح بيع الضمير هو المؤهل الوحيد للثراء.»
فالإنسان لا يبيع ضميره دفعة واحدة.
قد يبدأ بتبرير كذبة صغيرة، ثم قبول امتياز غير مستحق، ثم السكوت عن ظلم، ثم الدفاع عن فاسد، ثم يجد نفسه في النهاية جزءًا من منظومة لا يستطيع مغادرتها.
الفساد لا يصنع الاستقرار… بل يصنع هشاشة مؤجلة
قد يبدو النظام الفاسد قويًا لأنه يملك المال والإدارة والإعلام وشبكات الولاء.
لكن القوة التي تقوم على شراء الولاءات ليست قوة حقيقية.
فالذين يلتفون حول الفساد طمعًا في مصالحهم قد ينفضّون عنه عندما تتغير موازين القوة.
والذين صمتوا خوفًا قد ينفجرون غضبًا عندما تتراكم المظالم.
والشباب الذين يرون أن مستقبلهم لا تحدده كفاءتهم، وإنما علاقاتهم، يفقدون الثقة في مؤسسات الدولة.
وهكذا قد تبدو الدولة قوية من الخارج، بينما تكون من الداخل مفرغة من الثقة.
- المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم… وإنما في البيئة التي تكافئهم
من السهل أن نقول: فلان فاسد، وفلان منافق، وفلان انتهازي.
لكن المعالجة الحقيقية تبدأ بأسئلة أعمق:
لماذا أصبح الفساد مربحًا؟
لماذا أصبح التملق مفيدًا؟
لماذا أصبح الصمت أكثر أمانًا من الكلام؟
ولماذا لا تكون الكفاءة وحدها كافية للوصول؟
إذا أردنا مواجهة الفساد، فعلينا ألا نكتفي بملاحقة بعض الفاسدين، وإنما يجب أن نصلح قواعد اللعبة نفسها:
▪️ استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية.
▪️ شفافية الصفقات والإنفاق العام.
▪️ ربط التوظيف والترقية بالكفاءة.
▪️ حماية من يكشف الفساد وفق القانون.
▪️ منع تضارب المصالح.
▪️ إخضاع المسؤول للمساءلة.
▪️ ضمان حق الإعلام والمجتمع في النقد المسؤول.
▪️ تطبيق القانون بفعالية على استغلال النفوذ والمال العام.
فالفساد الذي تصنعه منظومة لا يمكن القضاء عليه بمجرد تغيير بعض الأشخاص.
أخطر فساد… هو فساد المعايير
إن سرقة المال العام جريمة، لكن سرقة معايير المجتمع أخطر منها.
حين يصبح الكذب ذكاءً، والنفاق حكمةً، والولاء الشخصي وطنيةً، والواسطة كفاءةً، والسكوت حكمةً، والنزاهة سذاجةً؛ فإن المجتمع يكون قد دخل مرحلة عميقة من الفساد.
لذلك فإن معركة الإصلاح الحقيقية ليست فقط مع من سرق المال، وإنما مع الثقافة التي جعلت السرقة ممكنة ومقبولة ومربحة.
فالعدل لا يعني أن نمنع الفاسد من السرقة فحسب، بل أن نبني نظامًا لا يحتاج فيه الشريف إلى بيع ضميره حتى يعيش، ولا يحتاج فيه الكفء إلى بيع موقفه حتى يصل، ولا يحتاج فيه المواطن إلى بيع كرامته حتى يحصل على حقه.
عندها فقط يصبح الرزق مرتبطًا بالعمل، والمكانة بالكفاءة، والمسؤولية بالأمانة، والسلطة بالقانون.
أما حين يكون الذل مفتاح الرزق، فليست المشكلة أن بعض الناس يبيعون ضمائرهم؛
المشكلة أن النظام نفسه أصبح يحدد سعر الضمير، ويكافئ من يدفعه.







