مقالات وآراء

ثورة 23 يوليو 1952: بين مشروع النهضة العربية وإرث الدولة المركزية / ج 2

أحمد محمد حماده/كاتب و محلل سياسي

الجزء الثاني: إنجازات ثورة يوليو… حين تحولت مصر إلى مركز للمشروع القومي العربي

يصعب تناول ثورة 23 يوليو 1952 بمعزل عن الإنجازات التي حققتها خلال عقدها الأول، وهي الإنجازات التي جعلت منها واحدة من أكثر التجارب السياسية تأثيرًا في العالم العربي خلال القرن العشرين. فقد استطاعت قيادة الثورة أن تنقل مصر من دولة تعاني اختلالات بنيوية عميقة إلى دولة تمتلك مشروعًا للتنمية والاستقلال، الأمر الذي منحها مكانة إقليمية ودولية غير مسبوقة.

غير أن تقييم هذه الإنجازات يقتضي التمييز بين أثرها المباشر في المجتمع المصري وبين تأثيرها الأوسع في البيئة العربية والإفريقية، حيث تحولت القاهرة إلى مركز لإنتاج الأفكار القومية وحركات التحرر الوطني.

أولًا: العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة

كان الإصلاح الزراعي أول اختبار حقيقي لشعارات الثورة. فقبل عام 1952، كانت ملكية الأراضي الزراعية تتركز في أيدي عدد محدود من كبار الملاك، بينما كان ملايين الفلاحين يعملون في ظروف قاسية لا توفر لهم الحد الأدنى من العدالة الاقتصادية.

جاء قانون الإصلاح الزراعي ليضع سقفًا للملكية الزراعية ويعيد توزيع مساحات واسعة على صغار الفلاحين، كما أنشئت التعاونيات الزراعية لتوفير التمويل والبذور والأسمدة. وقد أدى ذلك إلى تقليص النفوذ التقليدي للإقطاع، وإلى خلق طبقة ريفية جديدة أصبحت أكثر ارتباطًا بالدولة.

ورغم أن بعض الدراسات تشير إلى محدودية الأثر الاقتصادي للإصلاح الزراعي على المدى الطويل بسبب تفتت الملكيات وضعف الإنتاجية، فإنه حقق تحولًا اجتماعيًا بالغ الأهمية، إذ كسر احتكار الأرض، ورسخ فكرة تدخل الدولة لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية.

ثانيًا: التعليم بوصفه أداة للحراك الاجتماعي

آمنت القيادة الناصرية بأن التعليم هو الوسيلة الأكثر فاعلية لإعادة تشكيل المجتمع. لذلك توسعت الدولة في مجانية التعليم بمختلف مراحله، وزادت أعداد المدارس والجامعات، وفتحت أبواب التعليم العالي أمام أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

لم يكن هذا التحول مجرد سياسة تعليمية، بل كان مشروعًا لإنتاج نخبة جديدة لا تستند إلى الامتيازات الطبقية، وإنما إلى الكفاءة والتحصيل العلمي. وقد أتاح ذلك لآلاف المصريين، الذين لم تكن ظروفهم الاقتصادية تسمح لهم بالتعليم، الالتحاق بالجامعات وشغل مواقع قيادية في الإدارة والجيش والقطاع العام.

ورغم ما واجهته هذه السياسة لاحقًا من تحديات مرتبطة بتراجع جودة التعليم وتضخم الجهاز الإداري، فإنها أسهمت في توسيع الطبقة الوسطى، التي أصبحت إحدى الركائز الاجتماعية للدولة المصرية الحديثة.

ثالثًا: التصنيع وبناء الاقتصاد الوطني

أدركت الثورة أن الاستقلال السياسي لن يكون مكتملًا من دون استقلال اقتصادي. ولذلك تبنت نموذجًا تنمويًا يقوم على قيادة الدولة لعملية التصنيع، مع إعطاء الأولوية للصناعات الثقيلة والاستراتيجية.

شهدت تلك المرحلة إنشاء مصانع الحديد والصلب، ومجمعات الألومنيوم، والصناعات الكيماوية والهندسية، إضافة إلى التوسع في إنتاج الغزل والنسيج. كما لعب القطاع العام دورًا رئيسيًا في الاقتصاد، وأصبح المحرك الأساسي للتنمية.
وكان مشروع السد العالي أحد أبرز رموز هذا التوجه، إذ وفر لمصر مصدرًا مستدامًا للطاقة الكهربائية، وساعد على تنظيم مياه النيل، وحماية الأراضي الزراعية من الفيضانات والجفاف، كما وفر قاعدة لانطلاق مشروعات صناعية كبرى.

ومع أن الاقتصاد الموجه حقق معدلات نمو معتبرة خلال الستينيات، فإن اعتماده الكبير على القطاع العام خلق لاحقًا مشكلات تتعلق بالكفاءة والبيروقراطية وضعف القدرة التنافسية.

رابعًا: تأميم قناة السويس… انتصار الإرادة الوطنية

في السادس والعشرين من يوليو 1956، اتخذ جمال عبد الناصر قراره التاريخي بتأميم قناة السويس، بعد سحب الولايات المتحدة وبريطانيا تمويل مشروع السد العالي.
لم يكن القرار اقتصاديًا فحسب، بل كان إعلانًا صريحًا بأن الدولة المصرية أصبحت صاحبة السيادة الكاملة على مقدراتها. وقد أدى ذلك إلى العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر، غير أن صمود المصريين، والضغوط الدولية، ولا سيما من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أجبرت القوات المعتدية على الانسحاب.

أصبح هذا الانتصار نقطة تحول في تاريخ العالم العربي، ورسخ صورة عبد الناصر بوصفه قائدًا للتحرر الوطني، كما عزز ثقة الشعوب العربية والإفريقية بإمكانية مقاومة القوى الاستعمارية.

خامسًا: مصر في قلب حركة التحرر العالمي

لم يقتصر المشروع الناصري على الداخل المصري، بل اتخذ بعدًا دوليًا واضحًا. فقد دعمت القاهرة حركات التحرر في الجزائر واليمن وعدد من البلدان الإفريقية، وساندت نضال الفلسطينيين ضد الاحتلال، كما أسهمت في تأسيس حركة عدم الانحياز، إلى جانب الهند ويوغوسلافيا وإندونيسيا، في محاولة لبناء فضاء سياسي مستقل عن الاستقطاب بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

وقد منح هذا التوجه مصر مكانة دبلوماسية استثنائية، وأصبحت القاهرة قبلة للسياسيين والمناضلين من مختلف أنحاء العالم الثالث.

سادسًا: القوة الناعمة… الثقافة والإعلام في خدمة المشروع القومي

ربما كان أكثر ما ميز التجربة الناصرية إدراكها لأهمية القوة الناعمة. فقد تحولت السينما المصرية، والأغنية، والمسرح، والإذاعة، إلى أدوات لبناء خطاب قومي عربي تجاوز الحدود السياسية.

أدت إذاعة صوت العرب دورًا محوريًا في نشر أفكار الوحدة العربية ومناهضة الاستعمار، حتى أصبحت صوتًا مألوفًا في معظم البيوت العربية، من الخليج إلى المحيط الأطلسي. كما ساهمت الأعمال الفنية لكبار المبدعين، وفي مقدمتهم و، في تعزيز الحضور الرمزي للمشروع الناصري، الذي لم يكن يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على الثقافة والهوية المشتركة.

إنجازات صنعت النفوذ… لكنها لم تمنع بروز التحديات

أسهمت هذه السياسات مجتمعة في بناء دولة أكثر قدرة على التدخل في الاقتصاد والمجتمع، ورسخت صورة مصر بوصفها القوة العربية المركزية خلال الخمسينيات والستينيات. غير أن هذه النجاحات حملت في طياتها بذور مشكلات ستظهر لاحقًا، أبرزها اتساع دور الدولة على حساب المجتمع، وتضخم الجهاز البيروقراطي، وغياب آليات الرقابة والمساءلة.

ومن هنا، فإن فهم التجربة الناصرية لا يكتمل بالوقوف عند إنجازاتها وحدها، بل يقتضي أيضًا تفحص الإخفاقات التي واجهتها، وكيف تحولت بعض أدوات النجاح إلى عوامل أضعفت المشروع في مراحل لاحقة، وهو ما سيتناوله المحور الثالث.
يتواصل…

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى