بين عزيز وغزواني … من «استمرارية النظام» إلى «تعديل الدستور».. وجوه المأمورية الثالثة في موريتانيا

نواكشوط – التواصل: لم تعد الدعوات إلى مأمورية رئاسية ثالثة في موريتانيا مجرد مبادرات فردية أو شعارات ترفعها مجموعات محدودة؛ فقد انتقلت خلال الأشهر الأخيرة إلى بيانات جماعية صادرة عن منتخبين وأطر وفاعلين سياسيين في عدد من الولايات، وصولاً إلى المطالبة الصريحة بفتح نقاش حول السبل الدستورية والقانونية التي تتيح للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الترشح لولاية ثالثة.
وفي أحدث حلقات هذا المسار، أعلن منتخبون وأطر وفاعلون في ولاية الترارزة، في بيان صدر السبت 5 سبتمبر، دعمهم «الكامل والصريح» لفتح نقاش وطني حول السبل الدستورية والقانونية التي تتيح لغزواني الترشح لمأمورية ثالثة، معتبرين أن «استمرارية القيادة الرئاسية» باتت، في الظروف الراهنة، ضرورة لضمان مواصلة المشاريع وتعزيز المكتسبات.
وقبل ذلك بأيام، كانت ولاية لبراكنه قد شهدت موقفاً مماثلاً، فيما جاءت تحركات مماثلة من آدرار ولعصابة وولايات أخرى، في سياق سياسي يتزامن مع النقاش المرتقب حول الحوار الوطني.
لكن ظاهرة «المأمورية الثالثة» ليست جديدة على الحياة السياسية الموريتانية، كما أن قائمة الذين ارتبطوا بها لا تبدأ بالعهد الحالي.
البداية مع ولد عبد العزيز
خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، تحولت مسألة المأمورية الثالثة إلى أحد أكثر الملفات السياسية إثارة للجدل.
وفي 2017، خرج الوزير الأول آنذاك يحيى ولد حدمين بتصريح واضح قال فيه إن ولد عبد العزيز سيبقى في السلطة لمأمورية ثالثة «استجابة لرغبة الشعب»، وهو من أكثر المواقف الرسمية صراحة في الدعوة إلى استمرار الرئيس السابق.
ثم تصاعدت الحملات في 2018، مع مبادرات سياسية وشعبية طالبت بتغيير المادة 28 من الدستور لتمكين ولد عبد العزيز من الترشح مجدداً. وأصبحت القضية عنواناً لصراع سياسي بين مؤيدي استمرار النظام ومعارضيه، فيما كان ولد عبد العزيز نفسه قد أكد في مناسبات سابقة أنه لن يسعى إلى تعديل الدستور للترشح لولاية ثالثة.
ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت علناً بتلك الحملة أحمد ولد إياهي، الذي قاد مبادرة لجمع مليون توقيع من أجل المأمورية الثالثة، والنائب محمد فال ولد عيسى، الذي أعلن تأييده لتغيير الدستور إذا اقتضى الأمر، إضافة إلى النائب ويتات ولد سيدي يعرف، الذي دعا صراحة إلى تعديل الدستور لمنح ولد عبد العزيز ولاية ثالثة.
كما ظهرت مبادرات من رجال أعمال وأطر ومنتخبين، من بينها مبادرة في ولاية آدرار قادها محمد ولد الشريف ولد عبد الله في نهاية 2018، للمطالبة ببقاء ولد عبد العزيز في السلطة.
بين المأمورية الثالثة و«استمرارية النظام»
غير أن قراءة تلك المرحلة تقتضي التمييز بين من طالب صراحة بتعديل الدستور ومن اكتفى بالدفاع عن استمرار الرئيس أو النظام.
فمن أبرز الأصوات في الفئة الثانية رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية آنذاك سيدي محمد ولد محم، الذي استخدم خطاباً شديد الدفاع عن حصيلة نظام ولد عبد العزيز، وقال في إحدى العبارات التي أثارت جدلاً واسعا إن “نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز هو الذي أطعم من جوع وآمن من خوف».
ولم يكن ولد محم، على الارجح، من الأسماء التي يمكن وضعها في القائمة الضيقة لمن طالبوا صراحة بتعديل المادة 28، بل كان خطابه منصباً أساساً على الدفاع عن النظام واستمرارية مشروعه، وهو ما عاد وشرحه لاحقاً باعتبار العبارة تقييماً لأداء «النظام» وليس دعوة إلى بقاء شخص بعينه.
والأمر نفسه ينطبق بدرجة مختلفة على الوزير الاول الحالي المختار ولد أجاي في ما يتعلق بمرحلة ولد عبد العزيز؛ فقد نُسب إليه خطاب بالغ في الدفاع عن الرئيس السابق، ومن أشهر ما تداولته وسائل الإعلام قوله إن ولد عبد العزيز «أهم من الماء والكهرباء والمدارس».
لكن هذا الخطاب، على أهميته السياسية، لا يكفي وحده لتصنيف ولد أجاي ضمن دعاة المأمورية الثالثة لولد عبد العزيز. بل إن مواد أرشيفية من تلك المرحلة تشير إلى مواقف أكثر تعقيداً بشأن رفع شعار المأمورية الثالثة.
وهنا تكمن أهمية التفريق بين الولاء السياسي للرئيس وبين المطالبة الدستورية بتمديد ولايته.
من عزيز إلى غزواني.. عودة الشعار
بعد انتقال السلطة إلى محمد ولد الشيخ الغزواني في 2019، اختفى شعار المأمورية الثالثة تدريجياً من الواجهة، قبل أن يعود خلال 2025 ثم يتصاعد بصورة أكثر وضوحاً خلال 2026.
في البداية ظهر النقاش في صورة مقترحات فردية، كان من أبرزها طرح الصحفي حنفي ولد دهاه الذي دعا إلى تمكين غزواني من مأمورية ثالثة في إطار إصلاح دستوري وحوار وطني.
كما ظهرت مواقف مماثلة من شخصيات سياسية وقانونية، بينها السالك ولد أباه، بينما وصف النائب المصطفى ولد الشيخ محمد فاضل الطرح الداعي إلى المأمورية الثالثة بأنه موضوع وطني يستحق النقاش والتأمل.
لكن التحول الأبرز جاء في 2026، عندما خرجت الدعوات من دائرة الأفراد إلى الفاعلين السياسيين والمنتخبين المحليين.
ففي يونيو، دعت رئيسة حزب الحوار فالة بنت ميني صراحة إلى ترشح غزواني لمأمورية ثالثة، معلنة استعداد الحزب لدعم هذا الخيار.
ثم توالت التصريحات والبيانات في الولايات.
من لعصابة إلى آدرار والترارزة
في لعصابة، طالب رئيس المجلس الجهوي محمد محمود ولد الحبيب صراحة بمأمورية ثالثة لغزواني، معتبراً أن تحقيقها يمكن أن يتم عبر تعديل دستوري أو صياغة دستور جديد.
وفي لبراكنه، دعا رئيس المجلس الجهوي محمد المصطفى ولد محمد محمود الرئيس غزواني إلى الترشح مجدداً، قائلاً إن البلاد تحتاج إلى مواصلة قيادته.
وفي آدرار برز اسم محمد ولد الشريف ولد عبد الله بصورة لافتة، ليس فقط لأنه من أبرز الوجوه التي ارتبطت بحملة المأمورية الثالثة لولد عبد العزيز عام 2018، وإنما لأنه ظهر في أغسطس 2026 مجدداً، هذه المرة بصفته رئيس المجلس الجهوي لآدرار، معلناً دعم منتخبين وفاعلين في الولاية لترشح غزواني لمأمورية ثالثة.
وهذه الحالة هي الأوضح حتى الآن في انتقال أحد الوجوه المرتبطة بحملة المأمورية الثالثة لولد عبد العزيز إلى حملة مماثلة لصالح خلفه.
أما في الترارزة، فقد أخذ الخطاب منحى أكثر تنظيماً، إذ لم يكتف البيان الصادر في 5 سبتمبر بالدعوة إلى «الاستمرارية»، بل طالب صراحة بفتح نقاش وطني حول السبل الدستورية والقانونية التي تتيح لغزواني الترشح لمأمورية ثالثة.
من الأفراد إلى بيانات المنتخبين في الولايات
أما المفارقة الأبرز في المشهد الحالي فهي أن الدعوات لم تعد تظهر فقط في تصريحات شخصيات منفردة، وإنما بدأت تأخذ طابعاً جماعياً.
فبعد تصريحات فردية، ظهرت تجمعات وبيانات محلية تربط استمرار الرئيس بمواصلة المشاريع والاستقرار، ثم انتقلت بعض هذه البيانات إلى المطالبة الصريحة بتعديل الإطار الدستوري.
وقد وصفت تقارير صحفية هذا التحول بأنه انتقال من «الهمس السياسي» إلى المهرجانات والبيانات الجماعية، مع محاولة إدخال مطلب استمرار الرئيس ضمن النقاش السياسي المرتقب.
وهذا التحول لا يعني بالضرورة أن حزب الإنصاف تبنى رسمياً خيار المأمورية الثالثة على المستوى الوطني، حتى الآن، إذ ينبغي التمييز بين تصريحات المنتخبين والقيادات المحلية وبين موقف القيادة الحزبية المركزية.
كما أن جولات الحزب في الولايات، بحسب الخطاب المعلن عنها، تأتي في إطار العمل الحزبي والتواصل والاستماع؛ أما اعتبارها حملة منظمة لاختبار الموقف الشعبي من المأمورية الثالثة، فيبقى توصيفاً سياسياً رغم بعض الاتهامات لهذه البعثات لمحاولة خرق الدستور من أجل إعادة ترشيح غزواني.
غزواني.. الرئيس الذي يقول إنه ليس صاحب المبادرة
وسط تصاعد هذه الدعوات، يظل موقف الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عنصراً حاسماً في قراءة المشهد.
فالرئيس لم يعلن تبني خيار المأمورية الثالثة، بل قال في تصريحات سابقة إن الحديث عنها يشوبه «نوع من التشويش»، مؤكداً أنه لن يكون طرفاً في ما يخالف الدستور.
وهذا الموقف يضع مسافة بين الرئاسة وبين الدعوات التي تصدر عن شخصيات ومنتخبين مؤيدين لها.
لكن المفارقة التاريخية أن غزواني نفسه كان، في نهاية عهد ولد عبد العزيز، من الشخصيات التي ساندت فكرة استمرار الرئيس السابق، قبل أن يرفض ولد عبد العزيز ذلك ويختار غزواني خلفاً له في انتخابات 2019.
وبذلك يصبح الرئيس الحالي، بصورة غير مباشرة، جزءاً من تاريخ النقاش حول «المأمورية الثالثة»؛ لا باعتباره طالب بها لنفسه، وإنما باعتباره كان في السابق مؤيداً لاستمرار سلفه.
المادة 28.. العقدة الدستورية
المشكلة لا تتعلق فقط بالرغبة السياسية في استمرار الرئيس، وإنما بالطريق الدستوري إلى ذلك.
فالدستور الموريتاني ينص في المادة 28 على أن رئيس الجمهورية يُنتخب لخمس سنوات، ولا يمكن إعادة انتخابه إلا مرة واحدة.
كما أن المادة 99 تحصّن مبدأ التناوب الديمقراطي، وتنص على عدم جواز مراجعة الدستور إذا كان من شأن المراجعة المساس بالشكل الجمهوري للدولة أو بمبدأ التعددية الديمقراطية أو بمبدأ التناوب الديمقراطي، ومنه مدة المأمورية الرئاسية وعدد مرات تجديدها.
وبذلك فإن أي محاولة لفتح الطريق أمام مأمورية ثالثة لا تبدو مجرد تعديل تقني لمادة دستورية، وإنما تفتح نقاشاً أوسع حول حدود تعديل الدستور والمواد المحصنة ومبدأ التداول السلمي على السلطة.
وهذا هو تحديداً ما يجعل المطالب الحالية أكثر حساسية من مجرد حملة سياسية عابرة.
وجوه تكررت.. ووجوه لم تتكرر
المقارنة بين مرحلتي ولد عبد العزيز وغزواني تكشف أن معظم الوجوه التي قادت حملة المأمورية الثالثة في 2017 و2018 لم تظهر حتى الآن بصورة موثقة في الحملة الحالية.
فـيحيى ولد حدمين، وأحمد ولد إياهي، ومحمد فال ولد عيسى، وويتات ولد سيدي يعرف وغيرهم ارتبطوا علناً بالمطالبة باستمرار ولد عبد العزيز، لكن لا تتوفر، حتى الآن، مواقف مماثلة لهم في حملة غزواني الحالية.
في المقابل، يمثل محمد ولد الشريف ولد عبد الله حالة مختلفة؛ فقد ظهر في المرحلتين، من مبادرة آدرار الداعمة للمأمورية الثالثة لولد عبد العزيز عام 2018 إلى إعلان دعم مأمورية ثالثة لغزواني عام 2026.
أما المختار ولد أجاي وسيدي محمد ولد محم، فمن الأدق وضعهما في خانة المدافعين عن استمرارية النظام والنهج في عهد ولد عبد العزيز، لا في قائمة المطالبين الصريحين بمأمورية ثالثة، ما لم تظهر وثائق أو تصريحات أكثر وضوحاً تثبت خلاف ذلك.
من «النظام باق» إلى «تعديل الدستور»
وتكشف المقارنة بين المرحلتين عن تطور واضح في لغة الخطاب.
ففي عهد ولد عبد العزيز بدأ الأمر بخطاب عن الإنجازات وضرورة مواصلة «المشروع»، ثم انتقل إلى الحديث عن بقاء النظام، قبل أن يصل في 2017 و2018 إلى مبادرات صريحة لتغيير الدستور وتمكين الرئيس من ولاية ثالثة.
أما في عهد غزواني، فقد بدأ الخطاب مجدداً من بوابة «الاستمرارية» ومواصلة المشاريع والإصلاحات، قبل أن يصل خلال 2026 إلى صيغة أكثر مباشرة وهي المطالبة بفتح نقاش حول تعديل الإطار الدستوري بما يسمح بمأمورية ثالثة.
وفي أحدث تطور، لم يعد الأمر مقتصراً على شخصيات منفردة؛ فقد أصبح في بعض الولايات موقفاً جماعياً معلناً، كما حدث في الترارزة، حيث أعلن المنتخبون والأطر والفاعلون السياسيون والاجتماعيون دعمهم الصريح لهذا المسار.
معارضة متصاعدة
في الجهة المقابلة، بدأت قوى سياسية معارضة ومنظمات وشخصيات في رفض الدعوات إلى المأمورية الثالثة، معتبرة أن تعديل المواد المتعلقة بعدد الولايات الرئاسية يمس جوهر التناوب السلمي على السلطة.
وبذلك يعود المشهد السياسي الموريتاني إلى معادلة شبيهة بتلك التي عرفها عامي 2017 و2018، حيث أغلبية أو شخصيات مؤيدة تتحدث عن الاستقرار والاستمرارية والإنجازات، ومعارضة تحذر من تغيير قواعد التداول على السلطة.
غير أن الفارق هذه المرة هو أن النقاش يجري في ظل تجربة سابقة انتهت بانتقال السلطة بين رئيسين من داخل المنظومة السياسية نفسها، وفي ظل تأكيد الرئيس الحالي أنه لا يقود حملة للمأمورية الثالثة.
اختبار جديد للنظام السياسي
وفي المحصلة، لا تكمن أهمية الجدل الحالي فقط في معرفة عدد الشخصيات التي تؤيد مأمورية ثالثة، وإنما في التحول الذي طرأ على طبيعة الدعوة نفسها.
فما بدأ في صورة آراء فردية انتقل إلى مهرجانات، ثم إلى بيانات جماعية، ثم إلى مطالب محلية بفتح نقاش دستوري.
وإذا استمر هذا المسار، فإن السؤال لن يبقى على هذا النحو: من يطالب بالمأمورية الثالثة؟ بل سيتحول إلى سؤال أوسع وهو هل يمكن أن تصبح المأمورية الثالثة موضوعاً رسمياً على طاولة الحوار السياسي، وكيف يمكن التوفيق بين هذا المطلب والنصوص الدستورية التي تحصّن مبدأ التناوب؟
وبينما تتسع قائمة الداعين إلى «الاستمرارية»، يبقى الموقف الحاسم هو موقف الرئيس نفسه، ثم موقف المؤسسات الدستورية والسياسية التي سيكون عليها، في حال انتقال النقاش من الشعارات إلى الإجراءات، تحديد حدود الممكن دستورياً.
وهكذا تعود موريتانيا، بعد نحو ثماني سنوات من معركة المأمورية الثالثة لولد عبد العزيز، إلى النقاش ذاته تقريباً، لكن بأسماء جديدة، وبعض الوجوه القديمة، وبسؤال لم يُحسم بعد: هل يتعلق الأمر بمطلب سياسي عابر، أم ببداية معركة دستورية جديدة؟







