مقالات وآراء

المأمورية الثالثة.. حين يتحول الولاء للأشخاص إلى امتحان للدستور والدولة

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

نواكشوط- التواصل: لم تعد الدعوات المطالبة بمأمورية رئاسية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مجرد تعبير عابر عن إعجاب سياسي أو تقدير لأداء رئيس في السلطة، بل بدأت تتحول إلى قضية تمس جوهر النظام الدستوري الموريتاني ومبدأ التداول السلمي على السلطة، وتطرح في الوقت نفسه سؤالاً أخلاقياً وسياسياً بالغ الأهمية: هل ينبغي أن تُعدّل الدولة قواعدها ومؤسساتها من أجل استمرار شخص في الحكم، أم أن الأشخاص هم الذين يجب أن يخضعوا لقواعد الدولة ودستورها؟

وقد عادت هذه الدعوات إلى الواجهة خلال الأيام و الأشهر الأخيرة، مع حديث شخصيات سياسية ومحلية عن ضرورة استمرار الرئيس بعد انتهاء مأموريته الثانية، بل وذهب بعض المطالبين إلى طرح تعديل الدستور أو صياغة دستور جديد يتيح له الترشح مجدداً.
ومن المهم، قبل الدخول في تقييم هذه الدعوات، التأكيد على أن نقدها لا يعني بالضرورة معارضة الرئيس شخصياً، ولا إنكار ما قد تكون له من إنجازات، كما أن الدفاع عن مبدأ التناوب لا يعني تلقائياً تزكية المعارضة أو أي بديل سياسي محتمل. القضية أكبر من الأشخاص: إنها تتعلق بمبدأ ينبغي أن يكون فوق الأشخاص جميعاً.

الدستور ليس ورقة قابلة للتفصيل على مقاس الحاكم

الدستور الموريتاني واضح في المادة 28، التي تنص على أن رئيس الجمهورية يمكن إعادة انتخابه لمرة واحدة. والأهم من ذلك أن المادة 99 لا تكتفي بتحديد إجراءات مراجعة الدستور، وإنما تحصّن صراحة مبدأ التناوب الديمقراطي، والمبدأ الملازم له الذي يحدد مدة ولاية رئيس الجمهورية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

وهنا تكمن المسألة القانونية الأساسية: القضية ليست مجرد تعديل مادة عادية من مواد الدستور يمكن للبرلمان أن يناقشها ثم يعرضها على الاستفتاء، وإنما يتعلق الأمر بمبدأ دستوري محصّن هو التناوب الديمقراطي وتحديد عدد مرات التجديد.

وبالتالي، فإن المطالبة بمأمورية ثالثة ليست مجرد مطالبة انتخابية عادية، وإنما تستلزم، في جوهرها، تغيير القاعدة الدستورية التي تنظّم تداول السلطة.

وقد يكون من حق أي مواطن أن يقترح تغييراً سياسياً، وأن يناقش الدستور، وأن يعبر عن رأيه، لكن ذلك لا يجعل المقترح مشروعاً من الناحية الدستورية لمجرد رفعه كشعار أو جمع التأييد السياسي حوله.

القسم الرئاسي ليس تفصيلاً بروتوكولياً

ثمة جانب آخر أكثر حساسية، يتعلق بالقسم الذي أداه رئيس الجمهورية عند توليه مهامه.

فالمادة 29 من الدستور تلزم رئيس الجمهورية، قبل تسلمه مهامه، بأداء اليمين، ويتضمن القسم التزاماً صريحاً بعدم اتخاذ أو دعم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أي مبادرة من شأنها مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة مأمورية رئيس الجمهورية وشروط تجديدها، الواردة في المادتين 26 و28.

وهذا يجعل المسألة تتجاوز الحسابات السياسية اليومية.

فالرئيس الذي يقبل المنصب الدستوري بعد أداء هذا القسم لا يصبح حامياً للدستور فقط بحكم وظيفته، وإنما يصبح ملتزماً به أيضاً بموجب تعهد دستوري وأخلاقي واضح.

ومن هنا فإن السؤال الجوهري ليس: هل يستطيع أنصار الرئيس أن يطالبوا بمأمورية ثالثة؟ فمن حيث حرية التعبير، يستطيعون أن يطالبوا بما يشاؤون في حدود القانون.

السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع الرئيس نفسه أن يستجيب لهذه المطالب ويسعى إلى تعديل القواعد الدستورية التي أقسم على عدم دعم مراجعتها؟

وهذا فارق جوهري بين حرية المواطنين في التعبير عن آرائهم وبين التزام رئيس الجمهورية بالدستور الذي أقسم على حمايته واحترامه.

أخطر ما في القضية أن يبدأ الضغط من خارج مؤسسة الرئاسة

قد يقول البعض إن الرئيس لم يطالب بمأمورية ثالثة، وإن الدعوات تصدر من مؤيديه، وبالتالي لا يجوز تحميله مسؤولية ما يقوله الآخرون. وهذا صحيح من حيث المبدأ.
لكن المشكلة السياسية والأخلاقية تبدأ عندما تتحول هذه الدعوات إلى حملة منظمة، ويصبح استمرار الرئيس في السلطة قضية تتبناها شخصيات تشغل مواقع رسمية أو سياسية أو منتخبة، خصوصاً إذا اقترنت بالدعوة إلى تعديل الدستور.

فالتجارب السياسية في المنطقة أثبتت أن تمديد المأموريات لا يبدأ دائماً بإعلان الرئيس رغبته في البقاء، وإنما يبدأ غالباً بحملات من المحيطين به، ثم تتحول المطالب إلى “إرادة شعبية”، ثم إلى مبادرات سياسية، ثم إلى محاولة إيجاد مخرج دستوري.

ولهذا فإن أفضل خدمة يمكن أن يقدمها أنصار الرئيس له وللدولة هي ألا يضعوه في هذا المأزق أصلاً.

فإذا كان الرئيس قد أعلن، كما نقلت عنه وسائل إعلام محلية خلال مؤتمره الصحفي في يوليو الماضي، أنه لا يدعم أي مسار يخالف الدستور أو إرادة الشعب، بل قال إن ما ليس في الدستور ولا يريده الشعب لن يفعله، فإن احترام هذا الموقف يقتضي من مؤيديه التوقف عن تحويل المأمورية الثالثة إلى قضية سياسية ضاغطة

من يمثل المواطن الموريتاني؟

ثم إن هناك سؤالاً سياسياً وأخلاقياً لا يقل أهمية عن السؤال الدستوري: هل تعبّر هذه الدعوات فعلاً عن الأولويات التي تشغل المواطن الموريتاني؟

المواطن الذي ينتظر علاجاً لائقاً في مستشفى عمومي، أو يبحث عن مدرسة جيدة لأبنائه، أو يعيش في مدينة تعاني من هشاشة الطرق وشبكات الصرف والمياه والكهرباء، أو شاباً يحمل شهادة جامعية ولا يجد فرصة عمل، قد تكون لديه مطالب سياسية، لكنه بالتأكيد يواجه أيضاً أسئلة أكثر إلحاحاً تتعلق بحياته اليومية.

ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتحديات البطالة، واختلال الخدمات الأساسية في عدد من المناطق، فإن تحويل النقاش العام إلى سؤال واحد: كيف نبقي الرئيس في السلطة بعد انتهاء مأموريته؟ يبدو، في أحسن الأحوال، بعيداً عن ترتيب الأولويات التي يفترض أن تشغل النخب السياسية.

المواطن لا يحتاج فقط إلى رئيس يبقى طويلاً، وإنما يحتاج إلى دولة تعمل جيداً، أياً كان رئيسها.

وهذه نقطة جوهرية كثيراً ما تغيب عن الخطاب السياسي الذي يربط مستقبل الدولة بمستقبل شخص واحد.

هل الاستقرار مرتبط بشخص؟

من أكثر الحجج التي يستخدمها أنصار استمرار الحكام أن البلد يحتاج إلى الاستقرار، وأن تغيير القيادة قد يهدد ما تحقق من مكاسب.
لكن هذه الحجة تحمل في داخلها مغالطة سياسية خطيرة إذا تحولت إلى قاعدة عامة.
فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على بقاء شخص، وإنما على قوة المؤسسات وقدرة النظام السياسي على إنتاج قيادة جديدة بصورة سلمية ومنظمة.

إذا كانت الدولة لا تستطيع الاستمرار إلا في ظل شخص واحد، فالمشكلة ليست في التناوب، وإنما في ضعف المؤسسات.

أما إذا كانت المؤسسات قوية، فإن انتهاء مأمورية رئيس وانتخاب رئيس آخر يجب ألا يمثل تهديداً للدولة، بل ينبغي أن يكون دليلاً على نضجها.

والرئيس الذي يحترم الدستور ويغادر السلطة في الموعد المحدد يمكن أن يترك وراءه إرثاً سياسياً أقوى بكثير من إرث رئيس يُمدد لنفسه بعد تعديل القواعد التي وصل بموجبها إلى الحكم.

ماذا يريد دعاة المأمورية الثالثة من الرئيس؟

من حق المواطن أيضاً أن يسأل أصحاب هذه الدعوات سؤالاً بسيطاً: لماذا المأمورية الثالثة تحديداً؟

إذا كانت البلاد قد قطعت أشواطاً مهمة في التنمية، فلماذا لا يكون الهدف هو بناء مؤسسات قادرة على مواصلة تلك السياسات بعد انتهاء المأمورية؟

وإذا كانت المشاريع التي بدأت خلال السنوات الماضية ضرورية لموريتانيا، فلماذا لا تستمر باعتبارها مشاريع دولة، لا مشاريع مرتبطة بشخص الرئيس؟

وإذا كانت هناك كفاءات وطنية قادرة على قيادة البلاد، فلماذا الإصرار على أن لا أحد يستطيع القيام بالمهمة سوى الرئيس الحالي؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الدول هو أن تتحول الإنجازات العامة إلى مبرر لبقاء الأشخاص، وأن تتحول الدولة تدريجياً إلى مشروع سياسي مرتبط بفرد.

النخب المستفيدة وأزمة تضارب المصالح

هناك أيضاً جانب أخلاقي ينبغي عدم تجاهله، مع ضرورة التعامل معه بموضوعية وعدم إطلاق الاتهامات جزافاً.

ليس من المنصف القول إن كل من يطالب بمأمورية ثالثة يفعل ذلك طمعاً في منصب أو امتياز. قد يكون بين هؤلاء أشخاص مقتنعون فعلاً بأداء الرئيس ويرون أن استمرار سياساته يخدم البلد.

لكن من المشروع سياسياً وأخلاقياً أن يُطرح السؤال حول مصالح بعض الداعين إلى استمرار السلطة، خصوصاً عندما يكونون من أصحاب المواقع والنفوذ أو ممن ارتبطت مصالحهم السياسية والإدارية والاقتصادية باستمرار الوضع القائم. فالسياسة لا تُقرأ فقط من خلال الشعارات، وإنما أيضاً من خلال مواقع أصحابها ومصالحهم وعلاقاتهم بمراكز القرار.

وإذا كان المواطن العادي يواجه البطالة وارتفاع الأسعار ومشاكل الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، بينما توجد في المقابل فئات محدودة تدور داخل دائرة المناصب والامتيازات والنفوذ، فإن من حق المجتمع أن يسأل: هل الدعوة إلى استمرار الرئيس تعبير عن المصلحة العامة، أم عن خشية بعض المستفيدين من فقدان مواقعهم ومكاسبهم؟

هذا السؤال لا يعني اتهام أحد بالفساد، وإنما يعني ببساطة إخضاع الخطاب السياسي لمعيار المصلحة العامة.

الثروات الوطنية يجب أن تكون ملكاً للدولة لا وسيلة لإدامة النفوذ

موريتانيا دولة غنية بالموارد الطبيعية، من الحديد والذهب والنحاس إلى الغاز والثروة السمكية والمجالات الزراعية والرعوية وغيرها.
لكن امتلاك الثروة لا يعني بالضرورة تحقيق الرفاه، ما لم تنعكس هذه الثروة على حياة المواطنين من خلال خدمات عامة أفضل، وفرص عمل أوسع، وبنية تحتية أكثر كفاءة، وحوكمة أكثر شفافية وعدالة في توزيع الفرص.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل النخب السياسية ليس: كيف نبقي فلاناً في السلطة؟
بل: كيف نجعل الدولة أقوى من الأشخاص، والمؤسسات أقوى من الولاءات، والثروة الوطنية أكثر نفعاً للمواطنين؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي تجربة حكم.

إنجازات الرئيس لا تمنحه حقاً استثنائياً

حتى لو افترضنا جدلاً أن الرئيس حقق إنجازات كبيرة خلال مأموريتين، فإن ذلك لا يمنحه حقاً دستورياً في مأمورية ثالثة.
فالانتخابات ليست مكافأة شخصية على الإنجاز، وإنما هي آلية لتداول السلطة وفق قواعد محددة مسبقاً.
وإذا أصبح كل رئيس يقول: “أنجزت، ولذلك أستحق تغيير الدستور للبقاء”، فلن يبقى للدستور معنى. لأن الدستور يضع قواعد اللعبة قبل أن تبدأ المباراة، وليس بعد أن يعرف اللاعبون من هو الفائز.
ولهذا فإن احترام المدة الدستورية لا ينتقص من قيمة الإنجازات، بل يحميها من أن تتحول إلى ذريعة لإضعاف النظام الديمقراطي.

أعظم إنجاز يمكن أن يتركه الرئيس

ربما يكون السؤال الأكثر إنصافاً للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني هو: ما الإرث الذي يريد أن يتركه وراءه؟
يمكن أن يكون إرثه هو البقاء في السلطة أطول مدة ممكنة بعد تعديل القواعد الدستورية.
ويمكن، في المقابل، أن يكون إرثه أكثر أهمية وهو أن يكون الرئيس الذي حكم فترتين، وأنجز ما استطاع إنجازه، ثم احترم الدستور وغادر السلطة في موعدها، وسلمها لرئيس منتخب، تاركاً وراءه دولة أكثر استقراراً ومؤسسات أكثر احتراماً للتداول.

الخيار الثاني، في رأينا، سيكون أكثر قوة من الناحية التاريخية والأخلاقية.
فالرؤساء يرحلون، أما المؤسسات فتبقى.
والحكومات تتغير، أما الدولة فينبغي أن تستمر.

لا تجعلوا الرئيس في مواجهة مع قسمه

لهذا فإن أفضل نصيحة يمكن توجيهها إلى دعاة المأمورية الثالثة ليست أن يصمتوا، ولا أن يتخلوا عن قناعاتهم السياسية، وإنما أن يضعوا مصلحة الرئيس والدولة فوق الرغبة في استمرار شخص بعينه.

فإذا كان الرئيس نفسه قد أقسم أمام مؤسسات الدولة على احترام الدستور، وعلى عدم اتخاذ أو دعم مبادرة تمس الأحكام المتعلقة بمدة المأمورية وشروط تجديدها، فإن دفعه نحو تعديل هذه القواعد يعني عملياً وضعه أمام اختبار بالغ الصعوبة بين ضغط المؤيدين وبين التزامه الدستوري والأخلاقي.

والأجدى لهؤلاء أن يقولوا للرئيس: أنجز ما تستطيع خلال المأمورية التي منحك الشعب إياها، وابنِ مؤسسات تستطيع أن تستمر بعدك، واترك للشعب حق اختيار من يحكمه بعد انتهاء عهدك.

أما تحويل الدولة إلى حملة دائمة للبحث عن مبررات بقاء الرئيس، فإنه لا يخدم الرئيس ولا الدولة ولا الديمقراطية.

وفي النهاية، ليست القضية هل محمد ولد الشيخ الغزواني أفضل من غيره، ولا هل يوجد اليوم بديل أكثر كفاءة منه.

القضية أبسط وأعمق:

هل نريد دولة تحكمها القواعد، أم قواعد تتغير كلما أراد حاكم البقاء؟

إذا اخترنا الدولة، فعلينا أن نحترم دستورها.

وإذا احترمنا الدستور، فعلينا أن نحترم مبدأ التناوب.

وإذا احترمنا التناوب، فعلينا أن نؤمن بأن موريتانيا أكبر من أي رئيس، وأن مستقبلها لا ينبغي أن يكون معلقاً على بقاء شخص في السلطة، مهما كان اسمه ومهما كانت إنجازاته.

فالدولة التي تبحث عن مستقبلها في مؤسساتها أقوى من الدولة التي تبحث عنه في عمر حاكمها.

والرئيس الذي يغادر السلطة احتراماً للدستور قد يترك أثراً في تاريخ بلاده أكبر من رئيس بقي فيها لأنه سمح لمحيطه بأن يقنعه بأن الوطن لا يستطيع الاستمرار بدونه.

ومن باب حماية موقع الرئاسة وهيبة الدستور، فإن المطلوب من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ألا يكتفي بإعلان رفضه للمأمورية الثالثة، بل أن يضع حداً لأي استغلال للمؤسسات أو المناصب أو المال العام في سبيل الترويج لها، وأن يأمر بمساءلة كل من يثبت تجاوزه للقانون أو استعماله للنفوذ العام للضغط من أجل تغيير القواعد الدستورية المحصنة.

التحرير

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى