الإنصاف كما نراه وكما نتطلع إليه/ محمود ولد بومراح

حين نتأمل مسار السنوات الماضية من حكم فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، يبرز الإنصاف الاجتماعي والسياسي بوصفه أحد العناوين البارزة في مشروعه الوطني؛ لا باعتباره منّةً على فئة، ولا توزيعًا للمواقع على أساس الانتماء، وإنما باعتباره محاولةً لتصحيح اختلالات تراكمت عبر الزمن، وإعادة الاعتبار إلى شرائح ظلت، لأسباب تاريخية واجتماعية، بعيدةً عن دوائر القرار ومراكز التأثير.
وقد تجلّى هذا التوجه في اتساع دائرة التعيينات، وتكافؤ فرص الولوج إلى الوظائف والمواقع العليا، وتوسيع قاعدة المشاركة في إدارة الشأن العام. وهو مسار مهم، لكنه يظل بحاجة إلى مزيد من التعميق؛ لأن الدولة العادلة لا تكتفي برفع الإقصاء، وإنما تفتح أبوابها أمام الكفاءات من مختلف مكوناتها، وتضمن للجميع فرصًا متكافئة في خدمة الوطن.
وفي هذا السياق، تكتسب برامج «التآزر» أهمية خاصة، بما تستهدفه من تقليص للفوارق الاجتماعية، وتمكين للفئات الهشة، وتحسين لظروفها المعيشية والتعليمية والخدمية. كما مثّل مشروع المدرسة الجمهورية خطوةً ذات دلالة في اتجاه بناء فضاء تعليمي مشترك، تتراجع فيه الفوارق الاجتماعية، وينشأ فيه أبناء الموريتانيين معًا على قاعدة المواطنة والانتماء الوطني الواحد.
ولعل أعمق وجوه الإنصاف هو الاستثمار في الإنسان؛ فالمدرسة التي تجمع أبناء الوطن، وتمنحهم فرصًا متقاربة في التعلم والارتقاء، لا تعالج اختلالات الحاضر فحسب، بل تؤسس لعدالة أكثر رسوخًا في المستقبل.
أما خطاب وادان، فقد تجاوز في دلالته حدود المناسبة والمكان، وحمل إلى الذاكرة الوطنية رسالة أمل في موريتانيا تتصالح مع تاريخها، وتتجاوز رواسب الماضي، وتجعل العدالة والمواطنة المتساوية أساسًا للاستقرار والوحدة. وقد جاءت بعض السياسات والتوجهات اللاحقة لتمنح ذلك الخطاب قدرًا من المضمون العملي، وإن كان الطريق إلى الغاية المنشودة لا يزال يحتاج إلى مزيد من العمل.
وفي الاتجاه ذاته، يندرج «ميثاق جول» باعتباره محطة مهمة في مسار المصالحة الوطنية، وترسيخًا لفكرة أساسية مفادها أن موريتانيا لا تستطيع أن تبني مستقبلها بإقصاء أي من أبنائها، ولا بإبقاء المظالم أسيرةً للأجيال؛ وإنما بإشراك الجميع في مؤسسات الدولة، ووظائفها، وفرصها، على أساس المواطنة والكفاءة والاستحقاق.
ومن هنا، فإن الحديث عن الإنصاف ينبغي ألا يتحول إلى منافسة بين المكونات، ولا إلى محاولة لإحلال طرف محل آخر؛ فالإنصاف الذي نريده ليس إنصافًا انتقائيًا، وإنما توسيعٌ لدائرة المشاركة، وتكافؤٌ في الفرص، ورفعٌ للحواجز التي حالت طويلًا دون وصول الكفاءات إلى مواقع المسؤولية.
وفي هذا الإطار تحديدًا، تبدو الحاجة اليوم ملحّة إلى إيلاء عناية خاصة بأبناء حراطين بتلميت، وإتاحة حضور أوسع لهم في الوظائف التنفيذية ومواقع التسيير. فهذه الشريحة ليست وافدة على الدولة، ولا تفتقر إلى الكفاءة؛ بل إن تاريخ أبنائها في الوظيفة العمومية حافل بنماذج مشهودة من النجاح والأمانة والنزاهة وحسن الأداء.
وحراطين بتلميت لا يطلبون امتيازًا على حساب شركائهم في المقاطعة، ولا يرون في إنصافهم إقصاءً لغيرهم. إنما يطلبون المشاركة؛ أن يكون لهم نصيب عادل من فرص المسؤولية، وأن تفتح أمام كفاءاتهم أبواب الوظائف التنفيذية ومواقع التسيير، كما تفتح أمام غيرهم من أبناء المقاطعة.
وهذا هو الفارق بين الإنصاف والمحاصصة: فالإنصاف لا يقسم الدولة إلى حصص، ولا يجعل الانتماء بديلًا عن الكفاءة، وإنما يزيل العوائق غير العادلة، ثم يترك للكفاءة والاستحقاق أن يقودا إلى مواقع المسؤولية.
ولذلك فإن تطلع أجيال حراطين تلميت إلى لفتة كريمة من فخامة رئيس الجمهورية ليس طلبًا لامتياز خاص، ولا دعوة إلى محاباة، وإنما هو رجاء في إنصاف مستحق ومشاركة فعلية في مواقع المسؤولية، على قاعدة الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور الذي يضطلع به معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي في ترجمة توجهات رئيس الجمهورية إلى سياسات وبرامج وإجراءات، ومتابعة تنفيذها عبر الجهاز الحكومي؛ فالرؤية السياسية لا تكتمل قيمتها إلا حين تتحول إلى ممارسة، والسياسة العامة لا تُقاس بجمال خطابها فقط، وإنما بقدرتها على صناعة أثر ملموس في حياة الناس وفي أداء مؤسسات الدولة.
لقد قطعت موريتانيا خطوات مهمة على طريق الإنصاف، لكن استكمال هذا المسار يقتضي مزيدًا من الجرأة في فتح أبواب الدولة أمام جميع أبنائها، ومزيدًا من الثقة في الكفاءة أينما وجدت.
فالدولة التي يشعر كل مكوّن من مكوناتها أن له فيها مكانًا، وأن أبناءه قادرون، بالكفاءة والاستحقاق، على الوصول إلى مواقع المسؤولية؛ هي الدولة الأقدر على صناعة الاستقرار، والأكثر قدرة على حماية وحدتها الوطنية.
فالإنصاف الحقيقي ليس أن يحل طرف محل طرف، ولا أن يأخذ مواطن حق غيره؛ وإنما أن يجد كل مواطن مكانه الطبيعي في وطنه، وأن لا يكون أصله الاجتماعي أو بيئته أو ماضيه عائقًا أمام مستقبله.
وتلك، في جوهرها، هي المعركة التي تستحق أن تُستكمل: أن تتحول دولة المواطنة من مبدأ جميل في الخطاب إلى واقع ملموس في المدرسة، والإدارة، والوظيفة العمومية، ومواقع التسيير، ومراكز القرار.
وعندما يصبح الوصول إلى المسؤولية مفتوحًا أمام الكفاءة، ويشعر الجميع أن الدولة دولتهم، وأن العدالة لا تُنقص من نصيب أحد وإنما توسّع نصيب الوطن كله، نكون قد اقتربنا من المعنى الحقيقي للإنصاف؛ إنصافٍ لا يُقصي أحدًا، ولا يمنح امتيازًا لأحد، وإنما يردّ لكل ذي حق حقه، ويفتح للوطن أبوابه أمام جميع أبنائه.
الإطار بوزارة العمل الإجتماعي والطفولة والأسرة: محمود ولد بومراح







