مقالات وآراء

بين الاختلافات السياسية وثوابت الدولة: نحو قراءة مسؤولة للمشهد الوطني

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

لا خلاف في أن تعدد الآراء واختلاف المواقف من صميم الممارسة الديمقراطية، وأن المعارضة لا تملك وحدها حق احتكار الحقيقة أو تحديد الموقف الوطني، كما أن من حق أي طرف سياسي أن يدافع عن رؤيته وأن ينتقد رؤية الآخرين. ومن هذه الزاوية، فإن الدعوة إلى احترام الرأي المخالف والابتعاد عن التخوين والتجريح دعوة سليمة ومطلوبة.

لكن الإشكال، في تقديري، لا يكمن في مجرد وجود أغلبية ومعارضة واختلاف وجهات النظر، وإنما في طبيعة الاصطفافات السياسية التي تتشكل اليوم، والملفات التي يجري التفاوض حولها، والنتائج المحتملة لأي تسوية سياسية قادمة.

فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل نحن فعلاً أمام خلاف تقليدي بين أغلبية حاكمة ومعارضة سياسية، أم أن المشهد أصبح أكثر تعقيداً من هذه الثنائية؟
ما يخشاه البعض، وهو تخوف مشروع يستحق النقاش لا التخوين، أن تكون الحملة السياسية الراهنة جزءاً من ترتيبات أو تفاهمات يجري إعدادها في إطار الحوار المرتقب، وأن يكون من بين الملفات المطروحة تسوية قضية الإرث الإنساني وفق مقاربة تدفع في اتجاه تحميل مكوّن عربي بأكمله مسؤولية أحداث 1989–1991، مقابل ترتيبات دستورية وسياسية أوسع.

وتزداد حساسية الأمر إذا ما ارتبطت هذه التسوية، كما يخشى البعض، بمطالب تتعلق بإعادة صياغة النظام السياسي والدستوري على أساس المحاصصة المكوناتية، أو بإعادة النظر في المواد الدستورية التي تحسم هوية الدولة والمجتمع باعتبار موريتانيا بلداً عربياً، إسلامياً، إفريقياً، ولغته الرسمية العربية، فضلاً عن إمكانية المساس بمبدأ التداول والتناوب على السلطة.

وهنا تحديداً لا تعود المسألة مجرد خلاف بين «أغلبية» و«معارضة»، ولا يصبح كل اختلاف مع المعارضة دليلاً على النفاق أو الخيانة، كما لا يصبح كل اعتراض على بعض مطالبها دفاعاً عن الأغلبية بالضرورة.

المسألة أعمق من ذلك؛ لأنها تتعلق بشكل الدولة وهويتها ووحدتها الوطنية ومستقبل نظامها السياسي.

كما أن الحديث عن وجود تحالفات أو تقاطعات بين قوى مختلفة يجب أن يخضع للنقاش السياسي الهادئ، لا أن يقدم باعتباره حقيقة ثابتة ما لم تكن هناك أدلة واضحة عليه. ومن المشروع، في المقابل، أن يتساءل الرأي العام عن طبيعة التقاطعات بين بعض القوى السياسية، وعن الدور الذي يمكن أن تلعبه أطراف مثل حركة «إفلام» وبعض تيارات الكادحين والإخوان المسلمين، إلى جانب قوى من داخل السلطة أو محيطها، في أي ترتيبات سياسية مقبلة.

إن جوهر الخلاف، إذن، ليس في أن يكون للناس رأي آخر؛ فهذا حق أصيل لا ينازع فيه أحد. وإنما في المضمون الذي يحمله هذا الرأي، والنتائج التي قد تترتب عليه، والحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها أي تسوية سياسية مهما كانت أطرافها.

نحن بحاجة فعلاً إلى تدريب آذاننا على سماع الرأي الآخر، لكننا بحاجة بالقدر نفسه إلى تدريب عقولنا على مساءلة المشاريع السياسية والصفقات المحتملة، أياً كان أصحابها.

فالديمقراطية ليست فقط أن نسمح للآخر بأن يتحدث، وإنما أيضاً أن نمتلك الشجاعة لنسأل: إلى أين يقودنا هذا الطرح؟ وما الثمن الذي قد تدفعه الدولة والمجتمع مقابل هذه التسوية؟ وهل تحمي هذه الترتيبات المواطنة المتساوية والوحدة الوطنية، أم تنقل الصراع من مستوى سياسي إلى مستوى مكوناتـي أكثر خطورة؟

لذلك فإن احترام الرأي المخالف لا يعني التسليم به، ورفض التخوين لا يعني تعطيل النقد، كما أن الدفاع عن الوحدة الوطنية والهوية الجامعة لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع مكوّن بعينه.

المطلوب اليوم هو حوار وطني حقيقي، واضح الأهداف والمرجعيات، يحفظ حقوق جميع المواطنين، ويعالج المظالم دون تحميل جماعة أو مكوّن بأكمله مسؤولية أخطاء الماضي، ويحافظ في الوقت ذاته على ثوابت الدولة وهويتها الجامعة ومبدأ التداول السلمي على السلطة.

تلك، في تقديري، هي الزاوية التي ينبغي أن ننظر منها إلى المشهد؛ لا بمنطق «من معنا فهو وطني ومن خالفنا فهو خائن»، ولا بمنطق «من خالف السلطة فهو بالضرورة صاحب الحقيقة»، وإنما بمنطق السؤال الأهم: ما الذي يخدم موريتانيا، ويحمي وحدتها، ويعزز المواطنة المتساوية، ويمنع تحويل الخلاف السياسي إلى صراع بين مكونات المجتمع؟

سيدي محمد ولد اخليفه

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى