ولد أجاي يتعهد بترقية حرية التعبير وتعزيز دور الإعلام دون إجراءات محددة لإصلاح القطاع

نواكشوط – التواصل
تعهد الوزير الأول الموريتاني المختار ولد أجاي بترقية حقوق الإنسان وحرية التعبير وتعزيز دور الإعلام وقادة الرأي وهيئات المجتمع المدني، وذلك ضمن المحور المتعلق ببناء دولة القانون والمؤسسات وترسيخ الحكامة الرشيدة، في بيان السياسة العامة للحكومة الذي قدمه أمام الجمعية الوطنية السبت.
وقال ولد أجاي إن الحكومة ستعمل على تحقيق هذا الهدف من خلال إصلاح النظام الديمقراطي وتطويره، وتوطيد أسس دولة القانون عبر إصلاح شامل للنظام القضائي، وترقية حقوق الإنسان وحرية التعبير، وتعزيز دور الإعلام وقادة الرأي وهيئات المجتمع المدني.
غير أن الخطاب لم يتضمن إجراءات تنفيذية محددة لإصلاح قطاع الصحافة والإعلام، أو معالجة الاختلالات المهنية والمؤسسية والاقتصادية التي تواجه المؤسسات الصحفية المستقلة، رغم ارتباط تطوير الإعلام بأهداف الرقابة المجتمعية وتعزيز الشفافية والمساءلة.
الإعلام المستقل ركيزة لدولة المؤسسات
ويشكل إصلاح قطاع الإعلام أحد المداخل الأساسية لترسيخ دولة القانون والمؤسسات، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به الصحافة المستقلة في مراقبة أداء السلطات العمومية، ومتابعة تنفيذ السياسات والبرامج الحكومية، وتقييم نتائجها، وكشف الاختلالات، وإتاحة المعلومات أمام المواطنين.
ولا يقتصر هذا الدور على نقل الأخبار والأنشطة الرسمية، بل يشمل توفير فضاء عام للنقاش وتعدد الآراء، وإيصال انشغالات المواطنين إلى المؤسسات المعنية، ومواكبة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، بما يجعل الإعلام شريكا في تحسين الحكامة وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة.
ويقتضي الاضطلاع بهذه الوظيفة توفير بيئة قانونية ومؤسسية واقتصادية تضمن استقلال المؤسسات الصحفية، وتكافؤ الفرص بينها، وتحمي الصحفيين من الضغوط والإقصاء، وتتيح لهم الوصول إلى المعلومات وممارسة مهامهم المهنية بحرية ومسؤولية.
إصلاحات مؤسسية وتشريعية مطلوبة
وفي هذا السياق، تبرز جملة من الإصلاحات التي يمكن أن تشكل أساسا لإصلاح شامل للقطاع، من بينها إنشاء مجلس أعلى للإعلام، يتمتع بالاستقلالية والضمانات القانونية اللازمة، ويضم تمثيلا متوازنا للهيئات المهنية والمؤسسات الإعلامية والخبرات المستقلة، بعيدا عن الوصاية التنفيذية، مع تحديد علاقته بالسلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية والهيئات التنظيمية الأخرى.
كما تبرز ضرورة مراجعة منظومة الدعم العمومي للصحافة، من خلال اعتماد معايير شفافة وموضوعية لتوزيع الموارد، وضمان التعددية والتناوب في التمثيل، ومنع احتكار آليات الاستفادة أو توجيهها على أساس العلاقات أو الاعتبارات غير المهنية.
ويشمل ذلك إصلاح صندوق دعم الصحافة وتطوير موارده وآليات تسييره ورقابته، بما يضمن توجيه الدعم إلى المؤسسات المستحقة، ومراعاة أوضاع الصحافة الورقية والإلكترونية، واختلاف تكاليف الإنتاج والاستثمار والتشغيل بينهما.
البطاقة الصحفية والإعلانات العمومية
ومن بين الملفات التي تحتاج إلى مراجعة، منظومة منح البطاقة الصحفية، بما يضمن استقلالية اللجنة المكلفة بها، وشفافية معايير العضوية والاستحقاق، وتفعيل المنصة المهنية، وحصر منح الصفة الصحفية في المستوفين للشروط القانونية والمهنية، مع تمثيل مختلف الهيئات الصحفية وفق قواعد واضحة.
كما يتطلب إصلاح القطاع وضع سياسة عادلة وشفافة للإعلانات والاشتراكات العمومية، تضمن عدم احتكارها، وتراعي الانتشار والتأثير والالتزام المهني، مع إقرار تمييز إيجابي للصحافة الورقية بالنظر إلى تكاليف الطباعة والتوزيع، وأهميتها في التعددية الإعلامية واستمرار المؤسسات الصحفية التقليدية.
وتبرز كذلك الحاجة إلى معالجة المديونية الضريبية ومتأخرات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المتراكمة على المؤسسات الصحفية، خصوصا تلك التي واجهت صعوبات مالية خلال السنوات الماضية، من خلال تسويات وإعفاءات أو تخفيضات مدروسة تراعي أوضاع المؤسسات وقدرتها على الاستمرار، وتضمن حقوق العمال والصحفيين.
من حرية التعبير إلى الرقابة والمساءلة
إن ترقية حرية التعبير وتعزيز دور الإعلام، كما وردا في خطاب الوزير الأول، يقتضيان الانتقال من الاعتراف المبدئي بأهمية الصحافة إلى بناء منظومة مؤسسية تحمي استقلاليتها وتوفر شروط أدائها لوظيفتها الرقابية والمجتمعية.
فدولة القانون لا تقوم فقط على وجود مؤسسات دستورية وقوانين منظمة، وإنما تحتاج أيضا إلى صحافة مستقلة قادرة على متابعة أداء تلك المؤسسات، ومساءلة القائمين على الشأن العام، وتقييم السياسات العمومية، وإطلاع المواطنين على الحقائق والمعطيات المتعلقة بإدارة الموارد والمرافق العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن إصلاح الإعلام ينبغي أن يكون جزءا من مشروع إصلاح الدولة والإدارة والحكامة، لا ملفا قطاعيا معزولا عن بقية الإصلاحات.
ويشكل إعلان السياسة العامة للحكومة فرصة لإدراج هذه النقاط ضمن أولويات المرحلة المقبلة، عبر حوار مؤسسي مع الهيئات المهنية وممثلي المؤسسات الصحفية، يفضي إلى برنامج إصلاحي واضح، بآجال محددة وآليات تنفيذ ومتابعة وتقييم، يضمن تعددية المشهد الإعلامي واستقلاليته وقدرته على خدمة المواطن والمصلحة العامة.







