أخبار وطنية

الكهرباء بعد الحريقين.. ماذا قالت صورة الرئيس وماذا ينتظر الموريتانيون؟

قراءة في زيارة الرئيس لمحطتي التحويل ومسؤولية الدولة بعد الحادث

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

نواكشوط- التواصل: لم تكن زيارة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني لمحطتي تحويل الكهرباء في نواكشوط الشمالية والغربية، مساء الأحد، مجرد زيارة تفقدية عابرة بعد حريقين تسببا في اضطراب واسع لخدمة الكهرباء في العاصمة.

فالزيارة جاءت في لحظة حساسة، وفي وقت متأخر من الليل، بينما كانت فرق الصيانة تعمل على مدار الساعة لإعادة الخدمة إلى المناطق المتضررة. وقد وقف الرئيس ميدانياً على حجم الأضرار، واستمع إلى الفنيين والمسؤولين، واطلع على سير الأشغال، قبل أن يؤكد أن الأولوية الأولى هي إعادة الكهرباء إلى المواطنين، وأن الأولوية الثانية هي معرفة الأسباب الحقيقية للحادثين وتحديد المسؤوليات.

من هنا، يمكن قراءة الزيارة باعتبارها رسالة سياسية وإدارية واضحة: رأس الدولة يريد أن يظهر في قلب الأزمة، لا أن يكتفي بتلقي التقارير عنها من المكاتب.

وهذه الرسالة لها أهميتها في بلد يعيش المواطن فيه تفاصيل الحياة اليومية مع الكهرباء، ويعرف أن انقطاعها ليس مجرد عطل تقني، وإنما يمكن أن يعني توقف الأعمال، وتعطل الخدمات، وتلف المواد الغذائية، واضطراب المياه والاتصالات، وتعطيل مصالح آلاف الأسر.

الصورة خارج البروتوكول

ربما كان أكثر ما لفت الانتباه في الزيارة هو الصورة نفسها.

لم تكن هناك خلفية مصممة بعناية، ولا قاعة اجتماعات، ولا مشهد بروتوكولي معتاد. كان الرئيس واقفاً أمام آثار الحريق، في موقع العمل، وسط منشأة تعرضت معداتها لأضرار كبيرة.
وهنا تصبح الصورة جزءاً من الرسالة.
قد يقول مؤيدو الرئيس إن الصورة تقول للموريتانيين: أنا موجود، أتابع الأزمة، وأتحمل مسؤولية التعامل معها.
وقد يقرأها آخرون باعتبارها محاولة لطمأنة الرأي العام الغاضب من الانقطاعات الواسعة.
والقراءتان لا تتناقضان بالضرورة؛ فالقيادة السياسية في أوقات الأزمات تحتاج إلى العمل وإلى التواصل مع المواطنين في الوقت نفسه.
لكن قيمة الزيارة الحقيقية لن تحددها الصورة وحدها، وإنما ما سيأتي بعدها.
من إعادة الكهرباء إلى معرفة الحقيقة
أهم ما ورد في التصريح الرئاسي هو ترتيب الأولويات.
إعادة الكهرباء أولاً، ثم التحقيق في الحادثين وتحديد المسؤوليات.
وهذا ترتيب سليم؛ لأن المواطن يحتاج أولاً إلى عودة الخدمة، لكن عودة التيار لا ينبغي أن تكون خاتمة القضية.
فحريقان في محطتي تحويل خلال فترة زمنية قصيرة، وما نتج عنهما من اضطرابات واسعة في شبكة العاصمة، يفرضان أسئلة مشروعة لا يجوز الإجابة عنها بالتخمين أو الشائعات.

هل يتعلق الأمر بخلل فني؟

هل كانت الصيانة الوقائية بالمستوى المطلوب؟

هل توجد مشكلة في بعض المعدات؟

هل كانت هناك أخطاء في التركيب أو التشغيل؟

هل استُوفيت شروط السلامة؟

هل كانت المعدات مطابقة للمواصفات التي تعاقدت عليها الجهة المعنية؟

وهل توجد أوجه قصور في منظومة الرقابة والمتابعة؟

كل هذه أسئلة، وليست اتهامات.

ولهذا فإن التحقيق الذي دعا إليه الرئيس ينبغي أن يكون فعلاً تحقيقاً فنياً ومهنياً ومستقلاً في نتائجه، لا مجرد إجراء إداري ينتهي إلى تحميل المسؤولية لعامل أو فني صغير.

لا ينبغي أن يتحول التحقيق إلى بحث عن كبش فداء

إن تحديد المسؤوليات لا يعني بالضرورة البحث عن شخص لمعاقبته حتى يقال إن الدولة فعلت شيئاً.

فالمسؤولية قد تكون فردية، وقد تكون إدارية، وقد تكون فنية، وقد تكون مرتبطة بإجراءات الشراء أو الاستلام أو الصيانة أو التشغيل، وقد تكون موزعة بين أكثر من مستوى. والتحقيق الجاد هو الذي يتتبع سلسلة المسؤولية كاملة:

من حدد المواصفات؟

من أعد دفتر الشروط؟

من اختار المورد؟

من راقب التنفيذ؟

من استلم المعدات؟

من فحص مطابقتها؟

من تابع صيانتها؟

ومن اتخذ قرارات التشغيل والصيانة خلال الفترة السابقة للحريق؟

عندها فقط يمكن معرفة ما إذا كنا أمام حادث عرضي مؤسف، أم أمام خلل يمكن تفاديه، أم أمام تقصير يستوجب المساءلة.

الصفقات والتوريدات.. السؤال الذي لا ينبغي تجاهله.

هنا تبرز واحدة من أكثر النقاط أهمية في القراءة التي قدمها الوزير السابق سيدي أحمد ولد أبوه في منشور له على فيسبوك، سنعود له في مقال منفرد.

فهو يلفت الانتباه إلى مسألة التوريدات، ويتساءل عن جدوى اعتماد الشركة على وسطاء في اقتناء بعض التجهيزات بدلاً من التواصل المباشر، حيث يكون التواصل بين الفنيين في شركة الكهرباء والفنيين لدى المصنع أو المورد الأصلي أكثر مباشرة ووضوحاً.

هذه الفكرة لا يجوز تحويلها، في غياب أدلة، إلى اتهام بالفساد أو إلى إدانة لأي صفقة بعينها. لكنها تصلح تماماً لأن تكون سؤالاً للتحقيق.
فإذا كان هناك تحقيق، فلماذا لا يشمل أيضاً مسار التجهيزات المتضررة؟ ليس بهدف اتهام أحد، وإنما بهدف الإجابة عن أسئلة تقنية وإدارية دقيقة:
هل التجهيزات مطابقة للمواصفات؟
هل المورد هو المصنع الأصلي أم وسيط؟
هل أجريت اختبارات فنية قبل الاستلام؟
هل كانت شروط الضمان والصيانة واضحة؟
هل جرى تنفيذ الصيانة الدورية في آجالها؟
وهل توجد تقارير فنية سابقة حذرت من أي اختلالات؟
هذه الأسئلة أكثر فائدة من تداول الاتهامات في مواقع التواصل الاجتماعي.

الحادث يكشف مشكلة أوسع من المحطتين.

من اللافت في التصريحات الرسمية هو أن الرئيس لم يتحدث عن الحريقين باعتبارهما حادثين منفصلين فقط، بل ربطهما بالحاجة إلى تحديث منظومة توزيع الكهرباء في نواكشوط، وتسريع وتيرة تحديث الشبكة، وتعزيز الصيانة الوقائية والجاهزية، وهذه نقطة بالغة الاهمية.
فالمشكلة ليست فقط، كيف نعيد تشغيل المحطة؟ بل: كيف نضمن ألا تتكرر المشكلة؟
قد تنجح الفرق الفنية في إعادة الكهرباء خلال ساعات أو أيام، وقد تعود المحطات إلى العمل بصورة طبيعية، لكن إذا ظلت أسباب الخلل قائمة فإن الأزمة تكون قد تأجلت فقط.
لذلك فإن الدرس الحقيقي من الحادثين ينبغي أن يكون مؤسسياً.
مراجعة الشبكة، تحديث المعدات، تعزيز الصيانة الوقائية، تحسين أنظمة السلامة، رفع الجاهزية، ومراجعة إجراءات التوريد والاستلام والمراقبة؛ كلها ينبغي أن تكون جزءاً من معالجة ما بعد الحريق.

بين الصورة والنتيجة
الرئيس نجح، من خلال الزيارة، في تقديم صورة قيادة موجودة في الميدان. لكن الصورة وحدها لا تكفي. لأن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انطفاء ألسنة اللهب وعودة التيار.

هل سيصدر تقرير واضح يشرح ما حدث؟

هل سيعرف المواطنون أسباب الحريقين؟

هل ستحدد المسؤوليات بناءً على أدلة فنية؟

هل ستتم معالجة أي خلل في التوريد أو الصيانة أو التشغيل؟

وهل ستتغير الإجراءات فعلاً لمنع تكرار الحادث؟

هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة الزيارة على المدى البعيد.

ترتيب الأولويات

يمكن اختصار المطلوب الآن في أربع خطوات واضحة:

أولاً: إعادة التيار الكهربائي إلى جميع المناطق المتضررة بأسرع ما يمكن، مع ضمان سلامة الشبكة والمواطنين.

ثانياً: فتح تحقيق شامل وشفاف لا يستبق النتائج ولا يستبعد أي فرضية، ويستند إلى الخبرة الفنية والأدلة.

ثالثاً: ترتيب المسؤوليات بناءً على نتائج التحقيق، بعيداً عن التسرع أو البحث عن كبش فداء.

رابعاً: استخلاص الدرس وتغيير المقاربة إذا أثبت التحقيق وجود خلل في التوريد أو الصيانة أو التشغيل أو الرقابة.

وفي النهاية، فإن المواطن لا يريد فقط أن يعرف متى تعود الكهرباء. بل إنه يريد أن يعرف أيضاً: لماذا حدث ما حدث، ومنعاً لأي تكرار، ماذا ستفعل الدولة بعد أن تعود الكهرباء؟

تلك هي النقطة التي تتحول فيها الأزمة من مجرد حادث مؤلم إلى فرصة لإصلاح مؤسسي حقيقي.

أما زيارة الرئيس، فقد أدت وظيفتها السياسية والرمزية في إظهار رأس الدولة وسط الأزمة.

ويبقى الآن أن تؤدي المؤسسات وظيفتها الفنية والرقابية والقانونية، حتى تكون الإجابة عن الحريقين مكتملة: عودة الكهرباء، ثم معرفة الحقيقة، ثم محاسبة المسؤول، ثم إصلاح الخلل.

وهنا فقط تصبح الصورة التي التقطت في موقع الحريق بدايةً لمعالجة حقيقية، لا مجرد صورة عابرة من صور الأزمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى