تسرب السيانيد في أكجوجت.. رواية نائب تنفيها البيئة وMCM وتعيد فتح ملف الرقابة على التعدين

أكجوجت – التواصل: أثار تصريح نائب مقاطعة أكجوجت سيد أحمد ولد محمد الحسن لقناة «صحراء 24» جدلاً واسعاً، بعد حديثه عن تسرب قال إنه وقع في أنابيب تنقل مخلفات تحتوي على مادة السيانيد التابعة لشركة نحاس موريتانيا «MCM»، متهماً الشركة بالتكتم على الحادث، ومشيراً إلى ما وصفه بغياب الرقابة والعقوبة في مواجهة المخاطر البيئية المرتبطة بالنشاط المنجمي.
وقال النائب إن التسرب ليس حادثاً معزولاً، بل يأتي في سياق ما وصفه بحوادث بيئية متكررة، منتقداً أداء الجهات المكلفة بالرقابة على الشركات المعدنية، ومتحدثاً عن انتشار الفساد والرشوة في هذا القطاع.
غير أن وزارة البيئة والتنمية المستدامة سارعت إلى نفي وجود ما يثبت وقوع التسرب، معلنة أنها أوفدت بعثة مشتركة للتحقيق في الموضوع عقب تداول تسجيل مصور بشأن الواقعة.
وضمت البعثة ممثلين عن إدارة التقييم والرقابة البيئية بوزارة البيئة والتنمية المستدامة، وإدارة الرقابة والمتابعة بوزارة الصناعة والمعادن.
وقالت الوزارة إن البعثة عاينت منشآت «MCM» في أكجوجت، وتتبعـت مسار الأنابيب الممتدة من المصنع إلى الأحواض المعزولة المخصصة لمعالجة مخلفات السيانيد وتخزينها.
وأضافت أن البعثة أجرت مسحاً جوياً بواسطة طائرة مسيرة على امتداد خط الأنابيب، دون أن يكشف المسح عن أي تسرب، كما أخذت عينات من الأحواض وأجرت عليها تحاليل فورية، أظهرت، وفق الوزارة، أن جميع القيم المسجلة كانت دون الحدود القصوى المسموح بها.
ولم تكتفِ الشركة بنفي الحادث، إذ أعلنت «MCM» أن المعلومات المتداولة بشأن وجود تسرب من أنابيب نقل مخلفات معالجة الذهب «عارية من الصحة»، مؤكدة سلامة نظام نقل المخلفات في مختلف أنحاء المصنع، وداعية إلى الاعتماد على المعلومات الرسمية الصادرة عنها.
سؤال الاختصاص.
لكن القضية لا تتوقف عند إثبات التسرب أو نفيه.
ففي تصريحه، أثار النائب سيد أحمد ولد محمد الحسن مسألة أكثر حساسية، حين قال إن وزارة البيئة ليست الجهة المختصة بموجب الاتفاقية التي تستند إليها شركة «MCM» في استغلال منجم أكجوجت، وإن الاختصاص يعود إلى إدارة المعادن.
وهذه النقطة تحتاج إلى توضيح رسمي مستقل، لأن وزارة البيئة نفسها أعلنت أن بعثة التحقيق التي أوفدتها ضمت، إلى جانب إدارتها المختصة بالرقابة البيئية، إدارة الرقابة والمتابعة بوزارة الصناعة والمعادن.
وبالتالي فإن السؤال المشروع هنا ليس فقط: هل حدث التسرب أم لم يحدث؟ بل أيضاً: من هي الجهة القانونية المختصة بالرقابة على هذا النوع من المخلفات والمنشآت؟ وما حدود صلاحيات كل من وزارة البيئة وقطاع المعادن؟
فإذا كانت الاتفاقية أو النصوص المنظمة للنشاط المنجمي تسند جانباً من الرقابة إلى إدارة المعادن، فإن نشر النصوص ذات الصلة سيحسم الجدل ويجنب تحويل المسألة إلى خلاف في الاختصاصات.
أما إذا كانت وزارة البيئة تتمتع بصلاحيات رقابية مباشرة على الآثار البيئية للنشاط المنجمي، فإن من حق الرأي العام معرفة طبيعة تلك الصلاحيات وحدودها وكيفية ممارستها.
بين النفي والاتهام.. والحاجة إلى حسم فني
إن المعطيات المتاحة حتى الآن تضع أمام الرأي العام ثلاث روايات متعارضة:
النائب تحدث عن وقوع تسرب كبير وعن التكتم عليه.
ووزارة البيئة تقول إن بعثة مشتركة لم تجد ما يثبت وجود أي تسرب، وإن نتائج المسح والتحاليل كانت ضمن الحدود المسموح بها.
وشركة «MCM» تنفي بدورها وقوع أي تسرب وتؤكد سلامة نظام نقل المخلفات.
وبين هذه الروايات، تبقى الحقيقة الفنية هي الفيصل.
وإذا كان هناك تسجيل مصور هو الذي دفع السلطات إلى إيفاد البعثة، فإن من شأن نشر نتائج الفحص بصورة أكثر تفصيلاً، بما في ذلك طبيعة العينات التي أخذت، ومواقع أخذها، ونوع التحاليل المنجزة، والجهة التي أجرتها، أن يعزز ثقة الرأي العام في النتائج الرسمية.
فالمسألة تتعلق بمادة شديدة الخطورة، وبنشاط منجمي كبير على مشارف مدينة أكجوجت، ولذلك فإن التعامل معها ينبغي أن يكون بأقصى درجات الدقة والشفافية، بعيداً عن التهويل كما يجب ان يكون بعيداً عن التطمين غير المدعوم بالتفاصيل الفنية.
ملف قديم يعود إلى الواجهة
ولا يأتي الجدل الحالي من فراغ؛ فقد سبق أن أثيرت، خلال السنوات الماضية، أسئلة وانتقادات بشأن الآثار البيئية لنشاط «MCM» في أكجوجت، بما في ذلك مخلفات عمليات معالجة المعادن واستخدام السيانيد.
وتوجد تقارير صحفية ودراسات قديمة تناولت مخاطر المخلفات المنجمية في المنطقة، كما سبق للشركة أن نفت في مناسبات سابقة تسجيل تجاوزات للمعايير البيئية.
لكن تلك المعطيات القديمة لا تثبت وقوع التسرب الذي يتحدث عنه النائب حالياً، كما أن نفي الوزارة والشركة لا يحسم وحده كل الأسئلة المتعلقة بالسلامة البيئية طويلة المدى.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:
إثبات حادثة تسرب محددة في وقت ومكان محددين، وهو ما نفته البعثة المشتركة والشركة؛
والتأكد بصورة مستمرة من سلامة منظومة إدارة ونقل وتخزين المخلفات المنجمية، وهو ملف أوسع يستحق الرقابة الدورية والشفافية.
المطلوب.. ليس سجالاً إعلامياً
قد يكون من السهل أن يتحول الموضوع إلى سجال بين نائب وشركة ووزارة. لكن الأهم هو أن يتحول إلى اختبار حقيقي لمنظومة الرقابة البيئية على النشاط المنجمي في موريتانيا.
فإذا كان التسرب قد وقع فعلاً، فيجب تحديد مصدره وحجمه وآثاره والمسؤولين عنه.
وإذا لم يقع، كما تقول الوزارة والشركة، فمن المهم نشر المعطيات الفنية التي تثبت ذلك للرأي العام وتوضح ما أظهره المسح الجوي والتحاليل.
وفي الحالتين، يبقى السؤال المشروع قائماً حول الجهة صاحبة الاختصاص، وآليات الرقابة المستمرة، ومدى استقلالية الفحوص البيئية، وكيفية التعامل مع أي بلاغ مستقبلي عن تسرب أو تلوث.
فمدينة أكجوجت ليست مجرد منطقة تعدين، وإنما مدينة وسكان وموارد مائية وبيئة محلية ينبغي أن تكون سلامتها فوق أي اعتبار، وقد سبق حصول حوادث نفوق جماعي للإبل كان مثيرا للاهتمام، كما تحدث النائب عن انتشار السرطانات في المقاطعة.
والأهم من إثبات صحة تصريح النائب أو خطئه هو أن تكون لدى الدولة منظومة رقابة واضحة وشفافة وقادرة على اكتشاف أي خطر بيئي قبل أن يتحول إلى أزمة.







