المأمورية الثالثة: جدل مبكر و قلق مشروع

احمد محمد حماده/ كاتب و محلل سياسي
تعود موريتانيا هذه الأيام إلى نقاش سياسي كان يُفترض، إلى حد كبير، أنه حُسم دستورياً ولم يعد يحتمل كثيراً من التأويل: هل يمكن أن تكون هناك مأمورية رئاسية ثالثة؟
السؤال يعود هذه المرة قبل ثلاث سنوات تقريباً من موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، وفي وقت لا يزال فيه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في منتصف مأموريته الثانية. وربما يكون هذا التوقيت المبكر هو أكثر ما يستحق التوقف عنده، لأن القضية هنا لا تتعلق فقط بمضمون الدعوات التي بدأت تظهر، وإنما أيضاً بالظرف الذي اختيرت فيه لإطلاقها.
فالدستور الموريتاني واضح في تحديد عدد المأموريات الرئاسية باثنتين، وهو ما يجعل أي حديث عن مأمورية ثالثة مرتبطاً، بالضرورة، بتغيير القواعد الدستورية القائمة. ومن هذه الزاوية، فإن المسألة ليست مجرد رغبة سياسية في استمرار رئيس في الحكم، وإنما تتصل بجوهر النظام الدستوري نفسه وبطبيعة التداول على السلطة في البلاد.
الجديد في الموجة الحالية أن الأمر لم يعد مجرد تصريحات فردية متفرقة من بعض المتحمسين للرئيس، بل بدأت الدعوة تأخذ شكلاً سياسياً أكثر تنظيماً. فقد كان حزب “حوار”، بزعامة فالة بنت ميني، من أوائل التشكيلات السياسية المحسوبة على الأغلبية التي أعلنت صراحة مطالبتها الرئيس بالترشح لمأمورية ثالثة، باسم الحزب وهيئاته ومنتخبيه.
ولم تقف مبررات الدعوة عند حدود الإشادة بأداء الرئيس، بل استندت إلى فكرة مفادها أن الدستور نفسه يستمد شرعيته من إرادة الشعب، وأن الشعب يملك حق تعديله متى رأى أن المصلحة العامة تقتضي ذلك. وهي حجة تبدو، في ظاهرها، منسجمة مع مبدأ سيادة الشعب، لكنها تفتح في المقابل باباً واسعاً أمام سؤال أكثر حساسية: هل يجوز أن تتحول القواعد الدستورية التي يفترض أن تنظم تداول السلطة إلى قواعد قابلة للتعديل كلما أرادت الأغلبية السياسية الإبقاء على الحاكم نفسه؟
وإلى جانب الموقف الحزبي، بدأت تظهر إشارات أخرى من داخل دائرة السلطة، من بينها دعوات صادرة عن مسؤولين إلى منح الرئيس مزيداً من الوقت لمواصلة المسار الذي بدأه. وقد تبدو مثل هذه التصريحات عادية في سياق المديح السياسي، لكنها تصبح ذات دلالة مختلفة عندما تأتي في وقت بدأ فيه الحديث، بشكل مبكر، عن مأمورية ثالثة.
وهنا تبرز المفارقة التي يصعب تجاهلها.
فالرئيس الغزواني نفسه سبق أن عبّر، في مناسبات سابقة، عن عدم سعيه إلى مأمورية ثالثة، مركزاً حديثه على العمل وتنفيذ برنامجه والوفاء بالتزاماته خلال المأمورية التي انتُخب لها. ومع ذلك، تستمر الدعوات من بعض المحسوبين على الأغلبية وكأنها تتحدث عن مستقبل لم يعلن الرئيس نفسه رغبته فيه.
وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: هل نحن أمام مبادرات فردية وحزبية صادرة عن أنصار يريدون التعبير عن إعجابهم بالرئيس وبأدائه، أم أمام محاولة مبكرة لجس نبض الشارع والنخب السياسية والمؤسسات، ومعرفة مدى استعداد المجتمع لتقبل فتح هذا الملف؟
لا أعتقد أن من السهل، في هذه المرحلة، الجزم بإجابة واحدة.
فقد تكون هذه الدعوات مجرد شكل من أشكال التزلف السياسي الذي اعتاد عليه المشهد الموريتاني، حيث يسارع بعض الفاعلين إلى إعلان ولائهم قبل أن يطلب منهم أحد ذلك. وقد تكون أيضاً محاولة من بعض القوى داخل الأغلبية لإعادة ترتيب مواقعها مبكراً، وإظهار مدى قربها من مركز القرار، خصوصاً مع اقتراب مراحل سياسية ستبدأ فيها الحسابات الانتخابية المقبلة بالظهور تدريجياً.
لكن احتمالاً ثالثاً لا يمكن تجاهله، وهو أن تكون هذه الدعوات بمثابة بالونات اختبار سياسية. أي طرح الفكرة على مراحل، ومراقبة ردود الفعل، ثم معرفة ما إذا كان المجتمع سيتعامل معها باعتبارها فكرة غير قابلة للنقاش، أم أنها يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى قضية سياسية قابلة للتسويق.
وهنا تحديداً تكمن خطورة الموضوع.
فالسياسة لا تُقاس دائماً بما يقال رسمياً فقط، وإنما أيضاً بما يسمح له بأن يتكرر ويكبر ويتحول من رأي فردي إلى خطاب جماعي. ولذلك فإن استمرار الدعوات، حتى في غياب موقف رسمي مؤيد لها، يستحق الانتباه، ليس باعتباره دليلاً على وجود قرار سياسي باتجاه المأمورية الثالثة، فهذا أمر لا يمكن الجزم به، وإنما باعتباره مؤشراً على أن الفكرة بدأت تجد لنفسها مكاناً في النقاش العام.
والأكثر إثارة في هذا السياق أن موريتانيا سبق أن عاشت تجربة شبيهة.
ففي السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، ظهرت دعوات إلى تعديل الدستور وفتح الباب أمام مأمورية ثالثة، وبدأت تلك الدعوات أيضاً من دوائر مؤيدة قبل أن تتحول إلى موضوع سياسي واسع. غير أن المسار انتهى في النهاية إلى عدم تعديل سقف المأموريات، وانتهت فترة الحكم بانتخابات رئاسية أفضت إلى انتقال السلطة.
ولهذا فإن عودة الخطاب نفسه، وإن اختلفت الظروف والشخصيات، تجعل استحضار التجربة السابقة أمراً طبيعياً. وليس مستغرباً أن يرى بعض المعارضين والسياسيين في ظهور هذه النماذج مجدداً درساً ينبغي ألا يُنسى.
غير أن الفرق بين التجربتين، حتى الآن، مهم أيضاً. فالرئيس الحالي لم يعلن، بحسب المواقف التي سبق أن عبّر عنها، رغبته في تغيير الدستور أو الترشح لمأمورية ثالثة. وبالتالي فإن القفز من تصريحات بعض الموالين إلى القول بوجود مشروع رسمي للمأمورية الثالثة سيكون استنتاجاً متسرعاً لا تدعمه المعطيات المتاحة بصورة قاطعة.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يؤدي غياب الإعلان الرسمي إلى التقليل من أهمية النقاش. فالمؤسسات الديمقراطية لا تُختبر فقط عندما تصدر القرارات، وإنما أيضاً عندما تبدأ محاولات اختبار حدود الممكن سياسياً.
ومن الطبيعي أن تكون المعارضة أول من يرفع صوته في مواجهة هذه الدعوات. وقد جاء موقف حزب “تجديد الحركة الديمقراطية” (تحدي) رافضاً بشكل واضح لأي محاولة لفتح الباب أمام مأمورية ثالثة، انطلاقاً من اعتبار الدستور عقداً وطنياً لا ينبغي إخضاعه لمصالح الأشخاص أو الحسابات السياسية الظرفية.
كما صدرت مواقف أكثر حدة من بعض الفاعلين السياسيين الذين رأوا في طرح مأمورية ثالثة في هذا الوقت نوعاً من “الوقاحة السياسية”، أو محاولة لتشتيت النقاش العام عن قضايا أكثر إلحاحاً. وبغض النظر عن حدة هذه اللغة، فإن جوهر الاعتراض يستحق التوقف: لماذا الحديث الآن عن انتخابات 2029، بينما البلاد أمام ملفات اقتصادية واجتماعية وتنموية وأمنية كثيرة، وما تزال أمام الحكومة سنوات من العمل؟
لكن السؤال يمكن أن يُطرح من الجهة الأخرى أيضاً: لماذا يخشى البعض من مجرد الحديث عن الموضوع إذا كان الرئيس نفسه لا يريد مأمورية ثالثة؟
في السياسة، لا تكفي أحياناً النوايا المعلنة وحدها. فالمؤسسات والأعراف السياسية تُبنى أيضاً على الإشارات التي ترسلها السلطة، وعلى ما تسمح به من نقاشات، وعلى طبيعة العلاقة بين الحاكم وأنصاره. ولهذا فإن أفضل طريقة لإغلاق هذا الملف ليست تركه يتضخم في الشارع ثم الرد عليه لاحقاً، وإنما وضع حد واضح له منذ البداية.
وهنا أعتقد أن الكرة توجد، قبل أي طرف آخر، في ملعب الرئيس نفسه.
فإذا كان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لا يريد مأمورية ثالثة، كما سبق أن أوحى بذلك، فإن موقفاً صريحاً منه سيكون أكثر فاعلية من ترك أنصاره يتحدثون في اتجاهات مختلفة. ليس المطلوب الدخول في معركة سياسية مع أشخاص يطالبون بترشحه، وإنما يكفي أن تكون الرسالة واضحة: هذه القضية ليست مطروحة، ولا ينبغي أن تتحول إلى أولوية سياسية خلال المأمورية الحالية.
مثل هذا الموقف، في تقديري، لن يكون موجهاً فقط إلى المعارضة أو الرأي العام، بل سيكون أيضاً رسالة إلى داخل الأغلبية نفسها بأن المطلوب هو العمل، لا سباق الولاءات.
فالمشكلة في المأمورية الثالثة لا تبدأ بالضرورة عندما يُطرح مشروع تعديل الدستور أمام البرلمان أو الشعب، وإنما قد تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يصبح الدفاع عن بقاء شخص في السلطة أهم من الدفاع عن قوة المؤسسات.
موريتانيا ليست دولة ذات تقاليد ديمقراطية عريقة ومستقرة. تاريخها السياسي الحديث مر بانقلابات عسكرية واضطرابات وانتقالات غير دستورية للسلطة. ولذلك فإن كل انتقال سلمي يتم عبر صندوق الاقتراع ينبغي النظر إليه باعتباره مكسباً وطنياً لا مجرد إجراء انتخابي عادي.
ومن هنا، فإن ترسيخ قاعدة التداول السلمي على السلطة لا يعني بالضرورة التقليل من إنجازات أي رئيس، ولا إنكار شعبية أي حاكم، ولا الحكم مسبقاً على ما يمكن أن يحققه في المستقبل. بالعكس، قوة النظام الديمقراطي تكمن في قدرته على الاستمرار حتى عندما يغادر الأشخاص الذين صنعوا جزءاً من تاريخه.
الرئيس الجيد لا ينبغي أن تكون الدولة بحاجة إليه إلى الأبد، والمؤسسة القوية هي التي تستمر بعد مغادرته.
وهذا هو جوهر المسألة.
فحتى لو كان الرئيس قد حقق إنجازات مهمة، وحتى لو كان جزء من الرأي العام يرى أنه يستحق الاستمرار، فإن الإجابة الديمقراطية لا تكون دائماً بإعادة صياغة الدستور من أجل شخص بعينه. الإجابة الأكثر نضجاً هي أن تتحول الإنجازات إلى مؤسسات وسياسات مستدامة يمكن لأي رئيس لاحق أن يبني عليها، وأن يصبح استمرار المشروع أهم من استمرار صاحبه.
وفي هذا السياق، تستحق التجربة السنغالية التأمل. فقد أظهرت السنوات الأخيرة أن قوة الديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود النصوص الدستورية، وإنما بقدرة المجتمع السياسي على الدفاع عنها عندما تصبح موضع اختبار. فالقاعدة التي تحمي التداول السلمي على السلطة لا تكون ذات قيمة حقيقية إذا كانت قابلة للتجاوز كلما ظهر حاكم يحظى بشعبية أو حقق نجاحات معينة.
والتجارب الأفريقية والعربية خلال العقود الماضية تقدم ما يكفي من الدروس في هذا المجال. كثير من مشاريع التمديد بدأت تحت عناوين براقة: الاستقرار، استكمال المشاريع، حماية المكتسبات، أو منح الرئيس مزيداً من الوقت لإنجاز برنامجه. لكن المشكلة أن فتح الباب مرة واحدة أمام تعديل قواعد التداول قد يجعل الاستثناء قاعدة، ويحوّل المؤسسات تدريجياً إلى أدوات في يد السلطة بدل أن تكون هي الإطار الذي يحكم السلطة.
وموريتانيا، أكثر من غيرها، تحتاج إلى الحذر من هذا المسار.
فالبلد لا يحتاج اليوم إلى إعادة فتح معركة دستورية حول عدد المأموريات بقدر حاجته إلى ترسيخ ما تحقق من استقرار سياسي، وتقوية القضاء، وتطوير الإدارة، وتعزيز دور البرلمان، وبناء أحزاب سياسية قادرة على إنتاج القيادات والبرامج، وليس فقط على الاصطفاف خلف الأشخاص.
كما أن الحكومة نفسها أمام اختبار أكثر أهمية من سؤال المأمورية الثالثة: ماذا ستفعل خلال السنوات المتبقية من المأمورية الحالية؟
فالناخب الموريتاني لا يحتاج في هذه المرحلة إلى سماع وعود بمأمورية لم تبدأ بعد، وإنما يحتاج إلى نتائج ملموسة في حياته اليومية: التعليم، الصحة، التشغيل، الأسعار، الخدمات، البنية التحتية، الإدارة، مكافحة الفساد، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وهذه هي القضايا التي ينبغي أن تستحوذ على النقاش العام.
أما انتخابات 2029، فسيأتي وقتها، وسيكون لكل طرف الحق في تقديم مرشحه وبرنامجه، وسيكون للشعب وحده حق الاختيار وفق القواعد الدستورية التي ستكون قائمة آنذاك.
أما استعجال فتح النقاش حول مأمورية ثالثة قبل ثلاث سنوات من موعد الانتخابات، فلا يبدو مفيداً للرئيس نفسه، ولا للأغلبية، ولا للمعارضة، ولا للبلاد.
بل قد يكون أكثر ما يضر بصورة المأمورية الحالية هو أن يتحول الحديث عنها من الحديث عن الإنجاز إلى الحديث عن تمديدها.
وفي النهاية، لا أعتقد أن القضية ينبغي أن تُقرأ من زاوية حب الرئيس أو كراهيته، ولا من زاوية موالاة أو معارضة. المسألة أكبر من الأشخاص جميعاً. إنها تتعلق بنوع الدولة التي نريد أن نبنيها.
إذا كانت موريتانيا تريد أن تؤسس لتقليد ديمقراطي مستقر، فإن عليها أن تثبت أن الدولة أكبر من الحاكم، وأن الدستور أكبر من الأغلبية السياسية، وأن التداول على السلطة ليس تهديداً للاستقرار، بل أحد شروطه.
ولذلك فإن أفضل ما يمكن أن يفعله الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، إذا كان بالفعل لا يفكر في مأمورية ثالثة، هو أن يقول ذلك بوضوح لا يترك مجالاً للتأويل، وأن يطلب من أنصاره وأغلبيته إغلاق هذا الملف.
وبذلك يستطيع الجميع العودة إلى السؤال الذي ينبغي أن يشغل موريتانيا اليوم: كيف نجعل السنوات المتبقية من المأمورية الحالية أفضل من السنوات الماضية، وكيف نُحوّل ما تحقق إلى مؤسسات وسياسات مستدامة، وكيف نترك للناخب في 2029 حق اختيار من يريد، دون أن نضع منذ الآن البلاد في معركة سياسية حول رئيس لم يطلب بعد أن يكون رئيساً للمستقبل؟
ذلك، في تقديري، هو الاختبار الحقيقي لأي تجربة سياسية: ليس كيف يتمسك الحاكم بالسلطة، وإنما كيف يثبت أن الدولة تستطيع أن تستمر وتنجح حتى عندما يأتي وقت مغادرته.







