سبع سنوات في قلب التجربة… شهادتي للتاريخ

ما رأيته من الداخل لا تستطيع الخصومة السياسية أن تمحوه
ليس من السهل أن تكتب عن سبع سنوات عشتها من داخل المشهد السياسي، لا متفرجاً على مدرجاته، ولا قارئاً لأحداثه من صفحات الصحف، وإنما شاهداً ومشاركاً في تفاصيله، من خلال وجودي طوال هذه السنوات في اللجنة الوطنية لشباب حزب الإنصاف، مستشاراً لرئيسها.
سبع سنوات كانت كافية لأرى الكثير، وأن أسمع أكثر، وأن أتعرف عن قرب على طبيعة العمل السياسي، وعلى طريقة اشتغال الدولة، وعلى المسافة أحياناً بين القرار والتنفيذ، وبين الطموح والواقع.
ولهذا، فإن ما أكتبه اليوم ليس مرافعة سياسية، ولا قصيدة مديح، ولا محاولة لتجميل مرحلة أو تبرير أخطائها؛ وإنما هو شهادة شخصية للتاريخ، من رجل عاش التجربة من الداخل، ورأى بأم عينيه ما تحقق وما لم يتحقق.
والتاريخ، في نهاية المطاف، لا ينصفه الصراخ، وإنما تنصفه الشهادة الصادقة.
غزواني… سبع سنوات في ميزان الإنصاف
حين تولى فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني قيادة البلاد، كانت موريتانيا أمام تحديات كبيرة، داخلية وخارجية، ولم تكن الطريق معبدة أمام مشروع سهل أو مرحلة مستقرة من حيث الظروف الإقليمية والدولية.
ثم جاءت جائحة كورونا، والأزمات الاقتصادية العالمية، والحرب الروسية الأوكرانية، والاضطرابات الأمنية والسياسية التي أحاطت بالمنطقة، وتداعياتها على الاقتصاد والأمن والهجرة والأسواق.
ومع ذلك، استطاعت موريتانيا أن تحافظ على قدر معتبر من الاستقرار، وأن تواصل مسارها التنموي، وأن تجعل من الإنسان محوراً أساسياً في خطابها وسياساتها العامة.
وهنا تحديداً أجد نفسي، بعد سبع سنوات من المعايشة، مضطراً إلى تسجيل شهادة قد لا تعجب البعض، لكنها في نظري أقرب إلى الحقيقة.
لقد شهدت البلاد خلال هذه المرحلة تحولاً مهماً في مفهوم الدولة الاجتماعية، حيث لم يعد الاهتمام بالفئات الهشة مجرد شعار موسمي، وإنما أصبح جزءاً من السياسات والبرامج الحكومية.
توسعت برامج الدعم الاجتماعي، وتعززت التغطية الصحية، وارتفع الاهتمام بالفئات الأكثر هشاشة، وأصبح الحديث عن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ومحاربة الغبن جزءاً أساسياً من الخطاب العام للدولة.
وقد يختلف الناس في تقييم حجم هذه الجهود أو مدى كفايتها، لكن إنكار وجودها يصبح، في رأيي، إنكاراً للواقع نفسه.
الوحدة الوطنية… من شعار سياسي إلى مسؤولية دولة
ومن أكثر الملفات التي أرى أن الرئيس غزواني أعطاها أهمية خاصة قضية الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية.
إن موريتانيا لا تستطيع أن تبني مستقبلها وهي سجينة ماضيها، كما أنها لا تستطيع أن تطوي صفحات الماضي بإنكار ما فيها من جراح ومظالم.
والحل ليس في إعادة إنتاج الانقسام، ولا في تحويل الذاكرة إلى وقود دائم للصراع، وإنما في بناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات والكرامة والفرص.
ومن هنا، فإن معالجة مخلفات العبودية والغبن الاجتماعي، وتعزيز المواطنة، ومحاربة خطاب الكراهية والتفرقة، ليست ترفاً سياسياً؛ بل هي شرط أساسي لبناء الدولة الوطنية الحديثة.
وقد رأيت خلال هذه المرحلة انتقال هذا الملف من دائرة التجاذب السياسي وحدها إلى دائرة السياسات العامة ومشاريع الدولة، وهي خطوة أراها ذات أهمية تاريخية، مهما كان حجم ما يزال ينتظر الإنجاز.
التعليم… معركة بناء الإنسان
أما التعليم، فهو بالنسبة لي من أهم الملفات التي ينبغي أن نقيس بها أي تجربة سياسية.
فالطرق يمكن أن تُعبد في أشهر، والمنشآت يمكن أن تُبنى في سنوات، لكن الإنسان يحتاج إلى أجيال حتى تتشكل ملامح التغيير في عقله ومعرفته وشخصيته.
ومن هنا فإن ما شهدته المنظومة التعليمية خلال السنوات الماضية من إصلاحات، وتوسيع للبنية المدرسية، وبناء وتجهيز مؤسسات تعليمية، والاهتمام بالمدرس، وإعادة ترتيب أولويات القطاع، يستحق أن يُقرأ باعتباره استثماراً في الإنسان قبل أن يكون استثماراً في الحجر.
وقد لا يكون الإصلاح كاملاً، ولا تزال أمامنا اختلالات كثيرة، لكن المسار نفسه يستحق الاعتراف.
الصحة… كرامة المواطن قبل كل شيء
وفي مجال الصحة، شهدت البلاد توسعاً في البنية الصحية وتحسيناً في الوصول إلى الخدمات الطبية، وتعزيزاً للتأمين الصحي وبرامج الحماية الاجتماعية.
والحقيقة أن قيمة الدولة تظهر أكثر ما تظهر عندما يمرض المواطن، أو يفقد عمله، أو يحتاج إلى العلاج، أو يجد نفسه في مواجهة ظرف يفوق قدرته الفردية.
ومن هذه الزاوية، فإن بناء منظومة حماية اجتماعية وصحية أكثر اتساعاً ليس مجرد سياسة قطاعية؛ وإنما هو ترجمة عملية لفكرة الدولة التي تقف إلى جانب مواطنيها في لحظات الضعف والحاجة.
البنية التحتية… موريتانيا تتغير على الأرض
أما في مجال البنية التحتية، فلا يمكن تجاهل حجم الديناميكية التي شهدتها البلاد.
الطرق، والمنشآت، وشبكات المياه والكهرباء، والمرافق العمومية، والمشاريع الخدمية والعمرانية، كلها تعكس محاولة لمعالجة تراكمات عقود من النقص في البنية الأساسية.
وقد يختلف المواطنون في تقييم بعض المشاريع، وقد تكون هناك مشاريع تأخرت أو لم تحقق المستوى المطلوب، وهذا طبيعي في أي تجربة تنموية كبيرة.
لكن الصورة العامة لا يمكن اختزالها في مشروع تعثر هنا أو طريق تأخر هناك.
موريتانيا التي كانت تعاني اختناقاً كبيراً في بنيتها التحتية قبل سنوات، أصبحت اليوم ورشة مفتوحة في أكثر من اتجاه.
وهذا واقع يستحق أن يسجل.
المختار أجاي… شهادة من موقع المتابعة
وإذا كنت أكتب عن هذه المرحلة بشهادة من عاشها، فإن الإنصاف يفرض عليّ أيضاً أن أسجل شهادتي حول معالي الوزير الأول المختار أجاي.
لقد عرفت خلال السنوات الماضية عدداً كبيراً من المسؤولين والسياسيين، وعرفت الفرق بين المسؤول الذي يكتفي بإدارة مكتبه، والمسؤول الذي ينزل إلى تفاصيل الملفات، ويتابع، ويسأل، ويحاسب، ويبحث عن النتائج.
ومن خلال ما تابعته، فإن المختار أجاي يتميز بقدر واضح من الحيوية والفعالية والقدرة على المتابعة والتنفيذ.
قد نختلف مع الحكومة في بعض السياسات، وقد نختلف مع الوزير الأول في بعض القرارات أو التقديرات، وهذا جزء طبيعي من الحياة السياسية.
لكن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار للصفات الإيجابية حين تكون واضحة.
وأشهد، من موقع المتابعة، أن معالي الوزير الأول يمتلك طاقة تنفيذية عالية، وحضوراً قوياً في الملفات، وقدرة على الاشتغال على التفاصيل، ورغبة واضحة في دفع الجهاز الحكومي نحو مزيد من الانضباط والفعالية.
وهذه شهادة شخصية مني، لا أطلب من أحد أن يتبناها، وإنما أسجلها لأنني أعتقد أن التاريخ يستحق أن يسمع شهادات متعددة، لا صوتاً واحداً.
لست شاهداً على الكمال… وإنما على التحول
لن أقول إن السنوات السبع كانت كاملة.
ولن أقول إن الدولة نجحت في كل شيء.
ولن أقول إن المواطن الموريتاني يعيش اليوم كل ما يستحقه من رفاه وعدالة وفرص.
ما زالت أمامنا تحديات كبيرة: البطالة، وضعف فرص الشباب، إصلاح الإدارة، محاربة الفساد، تحسين الحكامة، تطوير التعليم والصحة، وتعزيز الاستثمار، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وتوفير فرص متكافئة لجميع المواطنين.
لكنني أرفض، في الوقت نفسه، أن تتحول الخصومة السياسية إلى آلة لمحو كل شيء.
فالسياسة ليست محكمة لتصفية الحسابات، والتاريخ ليس منشوراً على مواقع التواصل الاجتماعي، والإنجازات لا تسقط بمجرد أن يتغير موقف سياسي أو ترتفع حدة الانتقاد.
يمكن أن نختلف مع الرئيس، دون أن ننكر ما أنجزه.
ويمكن أن ننتقد الحكومة، دون أن ننكر ما نجحت فيه.
ويمكن أن نطالب بالمزيد، دون أن ندعي أن شيئاً لم يتحقق.
وهذا هو معنى الإنصاف الحقيقي.
شهادتي الأخيرة
بعد سبع سنوات قضيتها في قلب المشهد الشبابي والسياسي، أجد من واجبي أن أترك هذه الشهادة.
لقد رأيت دولة تتحرك.
ورأيت مشاريع تتحول من أوراق إلى واقع.
ورأيت اهتماماً متزايداً بالإنسان والفئات الهشة.
ورأيت جهداً في تعزيز الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية.
ورأيت إصلاحات ومحاولات جادة في التعليم والصحة.
ورأيت توسعاً في البنية التحتية.
ورأيت في إدارة الحكومة رجالاً يمتلكون الحضور والحيوية والقدرة على المتابعة، وفي مقدمتهم معالي الوزير الأول المختار أجاي.
وقد تختلف الآراء حول كل ذلك، وهذا حق مشروع.
لكنني أكتب اليوم لأنني لا أريد أن أكون من أولئك الذين يصفقون حين تكون المصلحة في التصفيق، ثم ينكرون كل شيء حين تتغير الظروف.
أنا شاهد على مرحلة، والشاهد لا يختار من شهادته إلا ما يوافق هواه.
لقد رأيت ما رأيت، وعشت ما عشت، ولذلك أقولها بكل وضوح:
إن سبع سنوات من حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لا يمكن اختزالها في الشعارات، ولا في الخصومات، ولا في أخطاء هنا أو إخفاق هناك؛ إنها مرحلة حملت تحولات حقيقية في المجال الاجتماعي والإنساني والتنموي، وستبقى بحاجة إلى قراءة هادئة ومنصفة بعيداً عن ضجيج السياسة.
وإذا كان المستقبل يحتاج إلى مزيد من الإصلاح، فإن ذلك لا يلغي ما تحقق في الماضي.
وإذا كانت هناك أخطاء تستحق التصحيح، فإن ذلك لا يمحو الإنجازات.
وإذا كان المواطن يريد أكثر، فهذا حقه؛ بل إن طموح المواطن هو الذي يجب أن يدفع الدولة دائماً إلى الأمام.
أما أنا، محمود بومراح ، وبعد سبع سنوات من الحضور والمعايشة والمتابعة من داخل اللجنة الوطنية لشباب حزب الإنصاف، مستشاراً لرئيسها، فأجد أن من مسؤوليتي أن أقول شهادتي كما رأيتها، لا كما يريدها هذا الطرف أو ذاك.
فالتاريخ لا يحتاج إلى المصفقين، كما لا يحتاج إلى الناقمين؛
التاريخ يحتاج إلى شهود يقولون الحقيقة، كاملةً، ولو جاءت الحقيقة أحياناً في غير مصلحة مواقفهم.
وهذه شهادتي.
والله على ما أقول شهيد.
محمود ولد بومراح
إطار في وزارة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة







