حين تتحول زيارة الرئيس إلى عطلة للإدارة والتزلف للحكام

نواكشوط- التواصل: مع كل زيارة لرئيس الجمهورية إلى إحدى الولايات الداخلية، يتكرر مشهد يستحق أكثر من مجرد الملاحظة حيث المسؤولون الإداريون والموظفون والمنتخبون يتركون مكاتبهم ومصالح المواطنين، ويتحول جزء كبير من الجهاز الإداري إلى حشود استقبال، ينشغل بعضها بمحاولة الاقتراب من الرئيس، أو الظهور أمامه، أو التعبير عن الولاء والإعجاب، أملاً في ترقية أو منصب أو تعيين قريب. وفي المقابل، يبقى المواطن الذي جاء لقضاء مصلحة إدارية ينتظر عودة المسؤول الذي يفترض أن يكون في مكتبه لخدمته.
إن المشكلة هنا ليست في استقبال رئيس الجمهورية، ولا في الاحتفاء بزيارة رسمية، وإنما في تحول الاستقبال إلى وظيفة تتقدم على وظيفة الإدارة، وفي أن تصبح حركة الدولة مرتبطة بحركة المسؤول، وأن تتعطل مصالح المواطنين لأن المسؤول قرر أن يكون حيث يوجد الرئيس، بدلاً من أن يكون حيث توجد مسؤوليته. وهذا يناقض جوهر الدولة المؤسسية التي يفترض أن تستمر إداراتها ومرافقها في العمل بصرف النظر عن وجود الرئيس في العاصمة أو في أقصى مناطق الداخل.
فالدستور لا يقدم رئيس الجمهورية بوصفه شخصية فوق المجتمع، بل رئيس دولة منتخباً يمارس صلاحيات محددة، ويؤدي وظيفة عامة، وقد أقسم عند توليه مهامه على احترام الدستور والقوانين ورعاية مصالح الشعب.
كما أن الدستور ينص على أن الرئيس يضمن السير المنتظم للسلطات العمومية، فيما تؤكد الرئاسة نفسها أن اختزال مسؤوليات الدولة في شخص واحد لا يخدم بناء المؤسسات.
ومن هنا ينبغي أن نطرح السؤال بصراحة، كيف يمكن أن نتحدث عن دولة القانون والمؤسسات والمواطنة، بينما تتعطل مصالح المواطنين لأن الرئيس يزور ولاية؟
ولماذا تحتاج زيارة رئيس منتخب إلى إغلاق الشوارع وتعطيل حركة الناس، أو إلى تعبئة واسعة للمسؤولين والموظفين، أو إلى صور ولافتات تمجيدية، وكأننا أمام زيارة حاكم مطلق لا أمام مسؤول منتخب جاء لتفقد أحوال المواطنين ومتابعة تنفيذ سياسات الدولة؟
في الدول التي تحترم مؤسساتها، لا تكون قيمة المسؤول في قدرته على الاقتراب من الرئيس، ولا في عدد الصور التي يلتقطها معه، ولا في مقدار المديح الذي يقدمه له، وإنما في مدى قيامه بواجبه تجاه المواطن.
إن الرئيس نفسه لا يحتاج إلى موظفين يتسابقون لإظهار الولاء، بل يحتاج إلى إدارة تعمل بكفاءة، وإلى مسؤولين يؤدون وظائفهم، وإلى مواطن يستطيع قضاء مصلحته دون أن يبحث عن «واسطة» للوصول إلى مسؤول غادر مكتبه لحضور موكب رسمي.
لقد آن الأوان للخروج من ثقافة «الرئيس» بوصفه شخصية تُسترضى، إلى ثقافة «الرئيس» بوصفه مسؤولاً عاماً يُحاسب على أداء وظيفته. فرئيس الجمهورية منتخب من المواطنين، والمسؤول الإداري موظف لدى الدولة، وكلاهما موجود لخدمة الوطن والمواطن، لا لكي يتحول المواطن إلى تابع ينتظر فرصة الاقتراب من صاحب السلطة.
إن بناء دولة القانون لا يبدأ بالشعارات، وإنما من تفاصيل صغيرة مثل أن تبقى الإدارة مفتوحة أثناء الزيارات الرسمية، وأن تستمر مصالح المواطنين دون تعطيل، وأن يقتصر الاستقبال الرسمي على من تقتضي وظائفهم المشاركة فيه، وأن تختفي مظاهر التقديس الشخصي من المجال العام، وأن يصبح معيار الترقية والتعيين هو الكفاءة والأداء لا القدرة على إظهار الولاء.
إن الرئيس ليس إلهاً، ولا ينبغي أن يعامله أحد كذلك. فهو منتخب لفترة محددة، وموظف دستوري في خدمة الجمهورية، مثلما أن الوزير والوالي والمدير موظفون عموميون في خدمة المواطن. وكلما ترسخت هذه البديهية في سلوكنا السياسي والإداري، اقتربنا فعلاً من الدولة التي نتحدث عنها كثيراً وهي دولة القانون والمؤسسات والمواطنة.







