توحيد خطبة الجمعة حول حماية الموارد.. مناسبة لفتح نقاش أوسع حول المنبر

أحمد محمد حماده – كاتب ومحلل سياسي
جاء توجيه وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي بتوحيد خطبة الجمعة حول ترشيد الموارد الطبيعية وحمايتها ليضع قضية تبدو، للوهلة الأولى، بيئية واقتصادية في قلب الخطاب الديني. وهو اختيار له وجاهته؛ فحماية الماء والمراعي والثروة الطبيعية، ومحاربة الإسراف والتبذير، ليست قضايا بعيدة عن قيم الإسلام، بل تتصل بمسؤولية الإنسان عن النعمة وبحق المجتمع والأجيال القادمة فيها.
وفي بلد مثل موريتانيا، حيث للماء والمرعى والموارد الطبيعية مكانة حيوية في حياة السكان واقتصادهم، يصبح إشراك المسجد في نشر ثقافة المحافظة عليها أمراً مفهوماً. فخطبة الجمعة تصل إلى جمهور واسع، وقد يكون تأثير كلمة مسؤولة من فوق المنبر أعمق من تأثير كثير من الحملات الإعلامية.
لكن مبادرة الوزارة تفتح، في الوقت نفسه، باباً لسؤال أكبر من موضوع الخطبة ذاتها: ما طبيعة مسؤولية الدولة عما يقال على منابر المساجد؟ ومن يحق له أصلاً أن يعتلي هذه المنابر؟
فالمنبر ليس منصة عادية. من يقف عليه لا يتحدث إلى جمهور جاء ليستمع إليه بوصفه سياسياً أو ناشطاً أو صاحب رأي، وإنما إلى مصلين اجتمعوا لأداء فريضة الجمعة. ولذلك تكتسب كلماته سلطة معنوية خاصة، وقد يتلقى بعض الناس ما يقوله باعتباره تعبيراً عن الموقف الشرعي، حتى عندما يكون مجرد اجتهاد شخصي للخطيب.
ومن هنا تبدو العلاقة بين وزارة الشؤون الإسلامية والمساجد علاقة لا يمكن اختزالها في إرسال خطبة موحدة من حين إلى آخر. فإذا كانت الوزارة مسؤولة عن تنظيم المساجد والإشراف على شؤونها وتأطير الأئمة، فإن السؤال الأهم ربما لا يكون فقط: ماذا سيقول الخطيب يوم الجمعة؟ وإنما: من هو هذا الخطيب، وما الذي يؤهله للوقوف أمام الناس والحديث إليهم باسم الدين؟
وهذا السؤال يستحق نقاشاً جاداً.
فليس من المصلحة العامة أن يصبح اعتلاء المنبر أمراً متاحاً لكل من هب ودب، أو أن تكفي الرغبة في الخطابة، أو القدرة على التأثير في الناس، لكي يصبح الشخص خطيب جمعة. فالبلاغة شيء، والأهلية العلمية شيء آخر.
الخطيب قد يتناول قضايا تتصل بالعبادات والمعاملات والأسرة والاقتصاد والسلوك الاجتماعي، وقد يجد نفسه أمام نوازل وأسئلة جديدة تتطلب قدراً من العلم والحكمة وفهم الواقع. وخطأ يقال في مجلس خاص يمكن تصحيحه بسهولة، أما خطأ يقال أمام مئات المصلين ومن فوق منبر الجمعة فقد ينتشر ويتحول لدى البعض إلى قناعة دينية.
لهذا يبدو من الطبيعي التفكير في معايير واضحة لأهلية من يتولى الخطابة، وربما في نظام اعتماد أو إفادة تمنح للخطيب بعد التأكد من امتلاكه الحد الأدنى المطلوب من التكوين الشرعي والقدرة على التواصل وفهم مسؤوليته تجاه المجتمع.
ولا ينبغي أن يعني ذلك اشتراط شهادة جامعية وإقصاء التكوين التقليدي. فموريتانيا، قبل كل شيء، بلد المحظرة، ومنها خرج علماء وفقهاء حملوا المعرفة جيلاً بعد جيل. ويمكن لأي نظام لاعتماد الخطباء أن يعترف بمختلف مسارات التكوين: المحظرة، والجامعة، والمعاهد الشرعية، والتزكية العلمية المعتبرة، على أن تكون الكفاءة هي المعيار في النهاية.
لكن تنظيم المنابر لا ينبغي أن يعني بالضرورة توحيدها بصورة دائمة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين توجيه المنبر وتنميطه.
في قضية مثل حماية الموارد الطبيعية وترشيد استخدامها، من المفهوم أن ترى الدولة مصلحة وطنية في توجيه خطباء الجمعة إلى الموضوع نفسه. فالمياه والمراعي والبيئة والثروات الطبيعية ملك للمجتمع، والمحافظة عليها مسؤولية جماعية، والمسجد قادر على المساهمة في بناء هذا الوعي.
بل يمكن لمثل هذه المبادرات أن تعيد إلى خطبة الجمعة جانباً مهماً من وظيفتها الاجتماعية، بحيث لا تنفصل عن المشكلات الحقيقية التي يعيشها الناس.
لكن التوجيه إلى موضوع معين شيء، وكتابة ما ينبغي لكل خطيب أن يقوله بصورة دائمة شيء آخر.
فالأصل أن يكون الخطيب المؤهل قادراً على بناء خطبته بنفسه، وأن يربط موضوعها بواقع المصلين الذين يخاطبهم. وحتى قضية الموارد الطبيعية نفسها تختلف زوايا تناولها من منطقة إلى أخرى. ففي مجتمع رعوي قد تكون حماية المراعي ومصادر المياه هي الأولوية، وفي مدينة كبيرة قد يكون الحديث عن الإسراف في الماء والكهرباء والنظافة وحماية البيئة أكثر اتصالاً بالحياة اليومية.
ومن هنا قد يكون الأجدى أن تحدد الوزارة، عند الحاجة، الموضوع والخطوط العامة والمادة العلمية الموثوقة، وتترك للخطيب المؤهل حرية بناء خطبته واختيار لغتها وأمثلتها بما يناسب محيطه.
هذه المقاربة تجعل من الإمام شريكاً في التوعية، لا مجرد قارئ لنص أعد في مكان آخر.
والأمر نفسه ينطبق على حماية الوحدة الدينية للمجتمع. فالمطلوب ليس أن يفكر جميع الأئمة بالطريقة نفسها في كل جزئية، فهذا غير واقعي ولا يتفق مع طبيعة التراث الفقهي نفسه. المطلوب هو وجود أرضية جامعة تحمي المساجد من الغلو والتكفير والتحريض والكراهية والصراعات السياسية والقبلية والمذهبية، مع إبقاء مساحة للاختلاف الفقهي والاجتهاد العلمي المسؤول.
وإذا كانت الدولة تريد من المسجد أن يساهم في حماية المجتمع وتحصينه، فإن أفضل استثمار طويل المدى ليس مراقبة كل كلمة يقولها الإمام، وإنما تكوين الإمام نفسه.
التكوين المستمر للأئمة والخطباء في العلوم الشرعية وفقه الواقع ومقاصد الشريعة وقضايا المجتمع والاقتصاد والبيئة وأساليب التواصل قد يكون أكثر فاعلية من الرقابة المباشرة. فالخطيب الجيد لا يحتاج كل أسبوع إلى من يخبره بما يجوز أن يقوله وما لا يجوز؛ يحتاج إلى العلم الذي يجعله يعرف ذلك، وإلى الوعي الذي يجعله يدرك أثر كلماته.
وفي المقابل، فإن وضع شروط لأهلية الخطباء يجب أن تحكمه الشفافية. فإذا تقرر اعتماد نظام للترخيص أو الإفادة، فمن الضروري أن تكون شروطه معلنة، وأن يكون معيار الحصول عليه علمياً ومهنياً، لا سياسياً أو شخصياً، وأن توجد آلية واضحة للتظلم أو مراجعة القرار إذا سحب الاعتماد من أحد الخطباء.
كما ينبغي أن يصاحب رفع مستوى المتطلبات من الأئمة اهتمام أكبر بأوضاعهم. فمن الصعب مطالبة الإمام بأن يكون فقيهاً ومربياً وواعظاً ووسيطاً اجتماعياً وشريكاً في التوعية الوطنية، ثم تركه دون تكوين مستمر أو تأطير أو ظروف تساعده على أداء رسالته.
لذلك يمكن النظر إلى توجيه خطبة الجمعة نحو ترشيد الموارد الطبيعية وحمايتها باعتباره أكثر من مجرد حملة توعوية عابرة. يمكن أن يكون مناسبة لفتح نقاش وطني هادئ حول المسجد والمنبر والإمام وعلاقة الدولة بالمجال الديني.
فالدولة معنية بما يقال على المنابر عندما يمس السلم الأهلي والمصلحة العامة، لكنها معنية قبل ذلك بمن تسمح له باعتلاء هذه المنابر.
والمسألة في النهاية ليست اختياراً بين فوضى المنابر والسيطرة عليها. هناك طريق ثالث أكثر اتزاناً: تنظيم دون وصاية، وتوجيه دون إلغاء شخصية الخطيب، وحرية مسؤولة تستند إلى العلم والأهلية.
فليس من المصلحة أن يعتلي منبر الجمعة كل من هب ودب، كما أنه ليس من المصلحة أن يفقد الإمام شخصيته العلمية ويصبح مجرد ناقل لنصوص جاهزة.
المنبر أمانة، ومن حق المجتمع أن يطمئن إلى أن من يحملها أهل لها.
ولعل النقاش الذي أثاره توجيه خطبة الجمعة حول حماية الموارد الطبيعية يكون فرصة للانتقال من السؤال الظرفي: ماذا سيقال في خطبة هذا الأسبوع؟ إلى سؤال أكثر أهمية واستدامة: من يحق له أن يخاطب الناس من فوق منابر مساجدنا، وبأي علم ومسؤولية؟







