مقالات وآراء

القادرية فى المجتمع الموريتانى: لا يزال الدور مطلوبًا

ياسمين هلالي /الأمين العام للمنتدى المصرى الموريتانى للصداقة والتعاون

كثيرًا ما يتحدث الجميع عن دور الطرق الصوفية فى المجتمعات الإسلامية، إذ تنقسم الآراء وتتباين الرؤى وتختلف المنطلقات بين الباحثين والخبراء بل وربما العامة فى كثير من الأحيان حول هذا الدور وطبيعته وانعكاساته على حياة المجتمعات. ومن دون الدخول فى حلبة هذا الصراع الفكري والفلسفي، نلقى الضوء فى كلمات معدودة على إحدى الطرق الصوفية التي برزت فى الدولة الموريتانية قبل الاستقلال، حيث يرى البعض أن هذه الطرق كان لها دورًا مشهودًا فى التصدي للاستعمار عبر الحفاظ على كيان المجتمعات الإسلامية فى مواجهة التوغل الثقافي الأجنبى، ويذكر البعض أن الزوايا القادرية لعبت دور الحصن الثقافي فى مواجهة هذا التوغل الاستعماري عبر ما بذلته من جهود هدفت إلى الحفاظ على كيان المجتمع الموريتاني عبر نشر العلم والمعرفة ومعاونة الأسر الفقيرة في ظل ظروفها المعيشية الصعبة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل كان لهذه الطرق أيضًا دورًا محوريًا فى بناء وتطور المجتمع الموريتانى، وفى هذا المقام لا يمكن لأحد أن يتغافل عن الدور الذى لعبت الطريقة القادرية بمختلف فروعها وتقسيماتها بالتعاون مع الطرق الصوفية الأخرى فى وضع أسس المنظومة المتكاملة من الاستقرار الاجتماعي من خلال دعوتها إلى أهمية ترسيخ قيم التسامح والاعتدال، وفض النزاعات بين القبائل والبطون بالطرق السلمية واحترام الأحكام العرفية، وهو ما وفر بيئة مستقرة سمحت لمختلف الأنشطة الاقتصادية من تجارة وزراعة ورعي من النمو والتطور وتوسيع مجالات الحياة أمام المواطنين، دعمها في ذلك ما أسسته من محاظر (عرفت موريتانيا كما غيرها من بعض دول الغرب الأفريقي المحظرة) يتم خلالها تدريس العلوم الشرعية واللغوية، بما مهد الطريق أمام الشباب لتلقي العلوم والمعارف من كبار المشايخ، حيث تناقلت معارفهم وآراءهم إلى مختلف ربوع دول غرب القارة الإفريقية ليعزز بذلك من حالة الاستقرار الإقليمي بين دول المنطقة من ناحية، وصون اللُحمة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد من ناحية أخرى.
واليوم، تبرز الحاجة إلى أهمية توسع دور هذه الطرق الصوفية فى المجتمعات الإسلامية كونها رافد مهم من روافد الأصالة والوسطية من ناحية، ولديها القبول المجتمعي وخبرة التعامل مع القضايا والملفات التنموية والسياسية والتعليمية والإنسانية من ناحية أخرى، بما يجعل من محورية دورها أساس للحظة الراهنة التي تواجه فيها مختلف المجتمعات الإسلامية بصفة عامة وفى الغرب الأفريقي على وجه الخصوص العديد من التحديات المتنوعة والمخاطر المتزايدة والشائعات المدمرة لوحدة الأوطان وتماسكها ولحمتها فى ظل تزايد مخاطر التنظيمات الإرهابية، إذ أنه كلما زادت الأخطار والتهديدات كلما أضحى المجتمع فى أمس الحاجة إلى بناء الوعي الصحيح كركيزة أساسية فى استراتيجية مواجهة هذه الاخطار والتهديدات، وهذا هو جوهر الدور الذي تلعبه مثل هذه الطرق فى كيفية الحفاظ على الموروث الثقافي وبث قيم الوحدة الوطنية عبر ما تمارسه من أنشطة دينية تعمل فى إطار من الضوابط المسؤولة بعيدًا عن أية ولاءات أو ارتباطات إلا من أجل المصلحة العامة التي تمثل الإطار الحاكم لسياسات وخطوات أية دولة فى تحركاتها الداخلية والخارجية، ولكن شريطة أن يعي وارثوا هذه الطرق والقائمون عليها حجم التحولات التي جرت والتغيرات التي حدثت حتى لا يكون خطابهم مٌفرغًا من مضمونه لا يتفاعل مع مقتضيات اللحظة ومتطلباتها.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى