موريتانيا على حافة “اللبننة”.. عندما تصبح المحاصصة مشروعًا سياسيًا

إننا نشعر اليوم بقلق حقيقي على مستقبل موريتانيا. وليس مصدر هذا القلق وثيقةً بعينها، وإنما المناخ السياسي الذي جعل مثل هذه الوثائق تجد من يروج لها، ومن يتعامل معها وكأنها تطور طبيعي في مسار الدولة.
إن المطالبة بتعديل الدستور ليعترف بمكونات اجتماعية، وربط الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية بها، ليست مجرد تعديل دستوري، بل هي محاولة لإعادة تعريف الدولة نفسها. إنها انتقال من دولة المواطنة إلى دولة الجماعات، ومن وحدة الشعب إلى تعدد الشعوب داخل الوطن الواحد.
ولا نرى أن هذا التوجه كان ليجد طريقه لولا اجتماع عوامل خطيرة أضعفت الدولة من الداخل. فحين تضعف السلطة، ويستشري الفساد، وتتراجع هيبة القانون، وتصبح مراكز القرار خاضعة لموازين النفوذ والمصالح أكثر من خضوعها للمصلحة الوطنية، يصبح كل شيء قابلًا للتفاوض، حتى هوية الدولة نفسها.
لقد أصبح الفساد، في نظر كثيرين، ليس مجرد انحراف إداري، بل نظامًا غير معلن لإدارة الدولة. ومع اتساع المحسوبية والزبونية، تآكلت ثقة المواطن في المؤسسات، وبدأت الجماعات تبحث عن ضمانات خارج إطار المواطنة، لأنها لم تعد تثق في عدالة الدولة. وهنا تبدأ الكارثة.
إن الدولة التي تعجز عن تحقيق العدالة بين مواطنيها تفسح المجال لمن يطالبون بتقسيم العدالة نفسها بين المكونات. وعندما يصبح الانتماء الاجتماعي هو طريق الحصول على الحقوق، فإن المواطنة تكون قد دخلت مرحلة الاحتضار.
ولا يقل خطورة عن ذلك غياب القوى الوطنية القادرة على الدفاع عن مشروع الدولة الجامعة. لقد تراجع الخطاب الوطني، وانكمشت التيارات التي كانت تجعل الوطن فوق كل اعتبار، بينما ارتفعت أصوات الهويات الفرعية، حتى كاد الحديث عن القبيلة أو الشريحة أو العرق يطغى على الحديث عن الأمة والوطن.
وفي مثل هذا الفراغ، تنمو مشاريع المحاصصة بسرعة. فمثل هذه الاطروحات لا يمكن ان تطرح في ظل دولة قوية، وإنما تستغل ضعف الدولة . ولا نتنشر في ظل مؤسسات مستقلة، بل تنمو في بيئة مؤسسات منهكة. ولا تزدهر إلا عندما تغيب الثقة بين المواطنين.
إن ما نخشاه ليس هذه الوثيقة وحدها، وإنما أن تكون مقدمة لسلسلة من المطالب لا تنتهي. فإذا دسترنا مكونًا اليوم، فمن يمنع غدًا بقية المكونات من المطالبة بالنص نفسه؟ وإذا أصبح توزيع السلطة حقًا دستوريًا للجماعات، فمن الذي سيحكم باسم الوطن؟
إن التجارب التي قامت على المحاصصة لم تنتج دولًا قوية، بل أنتجت أنظمة مشلولة، تتنازعها الولاءات الضيقة، وتتعطل فيها المؤسسات، وتصبح الكفاءة آخر ما يُنظر إليه. وعندما تصبح الوظيفة العامة غنيمة تتقاسمها الجماعات، يموت مفهوم الدولة.
ولا نستطيع أن نمنع أنفسنا من المقارنة بلبنان. فلم يكن لبنان ضعيفًا بسبب تنوعه، وإنما بسبب تحويل هذا التنوع إلى أساس دستوري لتقاسم السلطة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت كل أزمة سياسية أزمة وجود، وكل استحقاق وطني معركة بين الطوائف.
وهذا هو الخطر الذي نخشى أن يُدفع إليه بلدنا: أن تصبح موريتانيا لبنان المغرب العربي؛ دولة يحكمها ميزان المكونات بدل ميزان القانون، وتُوزع فيها المناصب على أساس الانتماء لا الكفاءة، ويصبح الولاء للجماعة أقوى من الولاء للوطن.
إن أخطر ما في الأمر أن بعض النخب تتعامل مع هذا المسار بخفة، وكأن اللعب بأسس الدولة أمر يمكن التراجع عنه متى شاءوا. لكن التاريخ يعلمنا أن الانقسامات التي تُكتب في الدساتير لا تزول بسهولة، وأن الأوطان قد تتجاوز الأزمات الاقتصادية والسياسية، لكنها تدفع أثمانًا باهظة عندما تؤسس انقسامها في وثيقتها الدستورية.
إن إنصاف المظلومين واجب، والقضاء على التمييز واجب، وتحقيق العدالة الاجتماعية واجب، لكن كل ذلك يجب أن يتم داخل إطار المواطنة الواحدة، لا عبر تحويل المجتمع إلى اتحادات متجاورة تتقاسم الدولة فيما بينها.
ولذلك فإن معركتنا الحقيقية ليست مع وثيقة، ولا مع أصحاب رأي، وإنما مع أسباب هذا الانحدار: مع الفساد الذي أنهك الدولة، ومع ضعف المؤسسات، ومع غياب المشروع الوطني الجامع، ومع كل من يعتقد أن بقاءه في النفوذ أهم من بقاء الدولة قوية موحدة.
إننا نخشى أن يأتي يوم يكتشف فيه الجميع أن ما ظنه بعضهم مكسبًا لفئة، كان بداية خسارة وطن بأكمله. فالدول لا تسقط دائمًا بالحروب، بل قد تسقط عندما تفقد إيمانها بأن مواطنيها متساوون، وأن الوطن أكبر من كل القبائل والشرائح والأعراق.
ولا يزال أمام موريتانيا وقت لتتجنب هذا المصير، لكن ذلك يتطلب شجاعة سياسية، وإصلاحًا حقيقيًا، وحربًا لا هوادة فيها على الفساد، وإعادة الاعتبار للدولة، وللقانون، وللمواطنة، قبل أن يصبح الحديث عن الوحدة الوطنية مجرد ذكرى من الماضي.
سيدي محمدولداخليفه







