مقالات وآراء

ثورة 23 يوليو 1952: بين مشروع النهضة العربية وإرث الدولة المركزية/ 3/3

أحمد محمد حماده/كاتب و محلل سياسي

المجزء الثالث: إخفاقات التجربة الناصرية… بين ضرورات بناء الدولة وحدود السلطة

إذا كانت ثورة 23 يوليو قد نجحت في إعادة تشكيل الدولة المصرية، فإنها في المقابل أفرزت تناقضات بنيوية ظلت موضع نقاش بين المؤرخين وعلماء السياسة. فقد نجح المشروع الناصري في بناء دولة قوية، لكنه واجه صعوبة في بناء نظام سياسي تعددي قادر على استيعاب الاختلاف وإدارة تداول السلطة. ومن هنا، فإن تقييم التجربة يقتضي النظر إلى إخفاقاتها بوصفها جزءًا من تاريخها، لا مجرد هامش على إنجازاتها.

أولًا: أزمة الديمقراطية وبناء الدولة السلطوية

كان أحد المبادئ الستة التي أعلنتها الثورة هو إقامة “حياة ديمقراطية سليمة”. إلا أن مسار الأحداث اتجه في اتجاه مختلف. فقد حُلَّت الأحزاب السياسية، وأُلغيت الحياة الحزبية التقليدية، وأُنشئت تنظيمات سياسية مرتبطة بالدولة مثل هيئة التحرير والاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي العربي، لتصبح الدولة هي الإطار شبه الوحيد للعمل السياسي.

وبررت القيادة هذا التوجه بأن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر في ظل الإقطاع والاستعمار، وأن الأولوية يجب أن تُمنح لبناء الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية. غير أن هذا المنطق أدى عمليًا إلى تهميش المعارضة، وتقييد الصحافة، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، وهو ما أضعف المؤسسات المدنية المستقلة.

ويذهب عدد من الباحثين إلى أن الثورة نجحت في إسقاط النظام القديم، لكنها لم تؤسس نظامًا ديمقراطيًا بديلًا، بل استبدلت التعددية السياسية بنظام يقوم على الشرعية الثورية والكاريزما القيادية.

ثانيًا: تعاظم دور المؤسسة العسكرية

مثلت ثورة يوليو لحظة انتقال الجيش من مؤسسة دفاعية إلى فاعل سياسي رئيسي. فقد شغل الضباط مواقع متقدمة في الإدارة والاقتصاد والمحافظات والمؤسسات العامة، وأصبح الجيش شريكًا أساسيًا في إدارة الدولة.

وقد ساعد هذا الحضور في فرض الاستقرار خلال السنوات الأولى، وسرّع تنفيذ المشروعات الكبرى، لكنه رسخ أيضًا نموذجًا أصبحت فيه المؤسسة العسكرية المرجع النهائي في إدارة السلطة. وقد امتد تأثير هذا النموذج إلى عدد من الدول العربية التي شهدت انقلابات عسكرية استلهمت التجربة المصرية، وهو ما جعل تدخل الجيوش في السياسة سمة بارزة في الحياة العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

ثالثًا: الاقتصاد الموجه وحدود الكفاءة

حقق الاقتصاد المصري في الستينيات تقدمًا ملحوظًا في التصنيع والبنية التحتية، لكن توسع القطاع العام صاحبه تضخم في الجهاز الإداري، وضعف في الإنتاجية، وتراجع في روح المبادرة داخل الاقتصاد.

كما أن سياسات التأميم الواسعة، رغم دورها في تعزيز السيادة الاقتصادية، أثارت مخاوف القطاع الخاص، وأسهمت في هجرة بعض رؤوس الأموال والخبرات. ومع مرور الوقت، أصبحت الدولة تتحمل أعباء إدارة آلاف المؤسسات الاقتصادية، وهو ما أرهق الموازنة العامة وأضعف القدرة على الابتكار والمنافسة.

ولذلك يرى كثير من الاقتصاديين أن المشكلة لم تكن في تدخل الدولة ذاته، بل في غياب آليات فعالة للمساءلة والرقابة وتحسين الكفاءة.

رابعًا: الوحدة مع سوريا… حلم اصطدم بالواقع

في عام 1958، أعلنت مصر وسوريا قيام الجمهورية العربية المتحدة، في خطوة جسدت ذروة المد القومي العربي. وقد استقبلت الجماهير العربية الوحدة بحماس بالغ، معتبرة إياها بداية لمشروع الوحدة الشاملة.

إلا أن التجربة لم تستمر سوى ثلاث سنوات، إذ انتهت بانفصال سوريا عام 1961. ويعزو الباحثون ذلك إلى جملة من العوامل، منها المركزية الشديدة في إدارة الدولة من القاهرة، واختلاف البنى الاقتصادية والسياسية بين البلدين، إضافة إلى تراجع دور النخب السورية في صناعة القرار.

كشف انهيار الوحدة أن الحماس الشعبي وحده لا يكفي لبناء كيان سياسي موحد، وأن نجاح أي مشروع وحدوي يتطلب مؤسسات مرنة وشراكة متوازنة واحترامًا لخصوصيات كل دولة.

خامسًا: هزيمة يونيو 1967… السقوط العسكري وصدمة المشروع

تمثل حرب يونيو 1967 أكبر انتكاسة واجهتها الثورة والمشروع الناصري. ففي غضون أيام قليلة، خسرت مصر شبه جزيرة سيناء، كما تكبدت الجيوش العربية خسائر كبيرة أمام إسرائيل.

لم تكن الهزيمة مجرد خسارة عسكرية، بل شكلت زلزالًا نفسيًا وسياسيًا هز صورة المشروع القومي بأكمله. فقد طرحت أسئلة قاسية حول طبيعة إدارة الدولة، ومستوى الجاهزية العسكرية، ودور الإعلام الرسمي الذي بالغ في تصوير القدرات العسكرية.

ورغم أن جمال عبد الناصر تحمل المسؤولية وأعلن تنحيه قبل أن يتراجع استجابة للمظاهرات الشعبية، فإن هزيمة 1967 أصبحت لحظة مفصلية دفعت العديد من المفكرين العرب إلى مراجعة مفاهيم النهضة والوحدة والتنمية.

سادسًا: بين الزعامة الكاريزمية والمؤسسات

اعتمد المشروع الناصري بدرجة كبيرة على شخصية جمال عبد الناصر، الذي امتلك قدرة استثنائية على مخاطبة الجماهير وحشدها. وقد شكلت هذه الكاريزما أحد أهم مصادر قوة النظام، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن ضعف البناء المؤسسي.

فبعد وفاة عبد الناصر عام 1970، واجه النظام تحديًا كبيرًا في الانتقال إلى مرحلة جديدة، إذ تبين أن كثيرًا من السياسات كانت مرتبطة بشخص الزعيم أكثر من ارتباطها بمؤسسات مستقرة وقادرة على الاستمرار بمعزل عن الأفراد.

قراءة نقدية

تكشف التجربة الناصرية أن بناء الدولة وتحقيق التنمية يمكن أن يحققا إنجازات كبيرة خلال فترة قصيرة، لكن غياب التعددية السياسية واستقلال المؤسسات يحد من قدرة تلك الإنجازات على الاستمرار. كما أن الجمع بين القيادة الكاريزمية والدولة المركزية قد يوفر قدرًا من الفاعلية في الأزمات، لكنه يجعل النظام أكثر عرضة للاهتزاز عند أول اختبار كبير.

ومع ذلك، فإن اختزال تجربة يوليو في هزيمة 1967 أو في القيود السياسية لا يقلل من إنجازاتها، تمامًا كما أن الاحتفاء بإنجازاتها لا ينبغي أن يحجب إخفاقاتها. فالثورة كانت مشروعًا تاريخيًا معقدًا، جمع بين الطموح القومي والإصلاح الاجتماعي من جهة، وبين المركزية السياسية وتضخم دور الدولة من جهة أخرى.

ولهذا، فإن إرثها الحقيقي لا يكمن في الإجابة عن أسئلة الماضي، بل في الأسئلة التي ما زالت تفرض نفسها على الحاضر العربي: كيف يمكن التوفيق بين التنمية والحرية؟ وكيف تُبنى دولة قوية دون أن تتحول إلى دولة مهيمنة على المجتمع؟ وكيف يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية في إطار نظام ديمقراطي يضمن المشاركة والمساءلة؟

تمثل هذه الأسئلة الجسر الذي يقود إلى المحور الرابع، حيث انتقل تأثير ثورة يوليو من حدود الدولة المصرية إلى المجال العربي الأوسع، لتصبح الناصرية تيارًا فكريًا وسياسيًا امتد من المشرق إلى المغرب، ووجد له صدى خاصًا في موريتانيا، التي تأثرت نخبها السياسية والثقافية بالمشروع القومي العربي منذ سنوات الاستقلال الأولى.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى