أخبار وطنيةالاقتصاد

من الراتب إلى الثروة.. هل تواكب الرقابة تطور ممتلكات الوزراء وكبار المسؤولين في موريتانيا؟

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

نواكشوط – التواصل: قبل نحو عامين، لم تكن تُعرف عن بعض المسؤولين، الذين يتولون اليوم مناصب حكومية وإدارية رفيعة، ممتلكات كبيرة أو مظاهر ثراء لافتة، وفق ما كان متداولاً عن أوضاعهم المالية قبل التعيين، وهو داهرة تتكرر منذ سنوات. بعضهم لم تكن بحوزته، قبل التعيين، سيارة رباعية الدفع مثلا، بينما أصبح يُلاحظ، بعد بضعة أشهر أو خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات، امتلاك منازل فاخرة وعدة سيارات وأصول أخرى، إلى جانب حديث عن حسابات مصرفية بأرصدة معتبرة.

هذه التحولات لا تشكل، في حد ذاتها، دليلاً على وجود إثراء غير مشروع، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً على منظومة الرقابة من قبيل: هل تتم متابعة تطور ثروة المسؤول بعد تعيينه، ومقارنة الزيادة في أصوله بدخله المشروع ومصادر تمويله؟

فالمسألة لا تتعلق بمنع المسؤول من تحسين وضعه المالي، ولا بافتراض أن امتلاك منزل فاخر أو عدة سيارات يعني بالضرورة ارتكاب مخالفة. فقد تكون هناك ثروة سابقة لم تكن معروفة على نطاق واسع، أو ميراث، أو استثمارات، أو بيع أصول، أو قروض مصرفية، أو مصادر دخل قانونية أخرى.

لكن عندما يكون الفارق بين الوضع المالي المعروف قبل تولي المنصب والوضع الذي يظهر بعد فترة قصيرة كبيراً، يصبح من الطبيعي أن يكون السؤال موجهاً إلى أجهزة الرقابة والتفتيش قبل أن يكون موجهاً إلى الرأي العام وهو: ما مصدر هذه الزيادة، وهل يمكن إثباتها بوثائق؟

من «التصريح» إلى «المتابعة»

تبدو نقطة البداية الأكثر أهمية في تحديد الوضع المالي للمسؤول لحظة تعيينه. فالتصريح بالممتلكات والمصالح يمكن أن يوفر صورة أولية عن العقارات والأراضي والحسابات والاستثمارات والشركات والسيارات وغيرها من الأصول، فضلاً عن الالتزامات والديون. لكن قيمة هذا التصريح تظل محدودة إذا لم تتم مقارنته لاحقاً بما يطرأ على ثروة صاحبه خلال فترة توليه المسؤولية.

وقد أقرت موريتانيا في 2025 قانوناً جديداً للتصريح بالممتلكات والمصالح، بهدف تعزيز الشفافية ومنع تضارب المصالح ومكافحة الإثراء غير المشروع، مع توسيع نطاق الفئات الخاضعة للتصريح. ويعرّف الإطار الرقابي الرسمي الإثراء غير المشروع بأنه الزيادة الكبيرة في أصول الشخص الخاضع للقانون التي لا يمكن تبريرها بدخله المشروع.

ومن هنا تبدو الحاجة إلى الانتقال من مجرد التصريح عند تولي المنصب إلى آلية أكثر انتظاماً لمتابعة تطور الثروة.

فالمقارنة لا ينبغي أن تتم بعد مغادرة المسؤول لمنصبه فقط، وإنما بصورة دورية، وخصوصاً بالنسبة لكبار المسؤولين، بحيث يمكن معرفة ما إذا كانت الزيادة في الممتلكات تتناسب مع الموارد المشروعة المتاحة لهم.

كم يستطيع الراتب أن يفسر؟

تتداول أوساط عامة وإعلامية تقديرات متفاوتة لرواتب كبار المسؤولين، تختلف بحسب المنصب والتعويضات والاقتطاعات والأقدمية والدرجة الأصلية للمسؤول. ولذلك لا يمكن اعتماد رقم واحد باعتباره راتباً ثابتاً لكل من يشغل منصباً معيناً من دون الرجوع إلى كشوف رسمية.

لكن من الناحية الحسابية، يمكن طرح السؤال بصورة مبسطة.

إذا افترضنا أن مسؤولاً يتقاضى 200 ألف أوقية جديدة شهرياً، فإن دخله السنوي يبلغ 2.4 مليون أوقية جديدة. وحتى لو حصل على قرض مصرفي يعادل راتبه لمدة 24 شهراً، فإن قيمة القرض ستبلغ 4.8 مليون أوقية جديدة.

وقد يسمح ذلك بتمويل شراء عقار أو أصل ذي قيمة، لكنه لا يمثل ثروة صافية؛ فالقرض التزام مالي يجب سداده.

ولهذا لا يكفي أن يقول المسؤول إنه اشترى عقاراً عن طريق قرض. وهنا يأتي السؤال الرقابي الأوسع وهو كم تبلغ قيمة القرض؟ ماذا موّل؟ كم سُدد منه؟ ومن أين جاءت أقساط السداد؟ وما الأصول الأخرى التي ظهرت خلال الفترة نفسها؟

فإذا ظهرت، بالتوازي مع ذلك، عدة عقارات وسيارات واستثمارات وأصول أخرى، تصبح عملية مطابقة مصادر التمويل أكثر أهمية.

الملكية باسم الغير

وتبرز في هذا السياق مسألة أخرى تتعلق بالأصول التي قد تكون مسجلة باسم أشخاص آخرين.

ولا يعني تسجيل عقار أو شركة باسم قريب أو صديق أن المسؤول هو المالك الحقيقي، كما لا يجوز اعتبار القرابة أو العلاقة الشخصية دليلاً على إخفاء الملكية.

لكن مكافحة الإثراء غير المشروع تتطلب، عند توفر مبررات قانونية وأدلة مناسبة، البحث في المالك المستفيد فعلياً من الأصل أو المصلحة الاقتصادية.

ويأخذ الإطار الرقابي الموريتاني هذا المفهوم في الاعتبار، إذ يعرّف المستفيد الحقيقي بأنه الشخص الطبيعي الذي يملك أو يسيطر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أصل أو مصلحة أو كيان قانوني.

ومن ثم، فإن الرقابة الفعالة لا ينبغي أن تكتفي بالسؤال: باسم من سُجل العقار؟ وإنما، حيث يسمح القانون وتتوفر أسباب التحقق، بالسؤال أيضاً: من موّل شراءه؟ ومن ينتفع به فعلياً؟

الصفقات العمومية.. من الشائعة إلى التدقيق

في الأوساط العامة، تتردد من حين إلى آخر أحاديث عن حصول بعض المسؤولين على عمولات أو منافع غير معلنة مرتبطة ببعض الصفقات أو العقود العمومية.

ولا يمكن التعامل مع هذه الأحاديث باعتبارها حقائق، كما لا يجوز ربطها بمسؤول بعينه من دون وثائق أو أدلة مستقلة.

لكن وجود مثل هذه المزاعم يطرح، من الناحية الرقابية، سؤالاً مشروعاً حول مدى قدرة أنظمة مكافحة الفساد على اكتشاف تضارب المصالح والمنافع غير المشروعة المرتبطة بالصفقات.

وتحظر قواعد الصفقات العمومية في موريتانيا حصول الموظف العمومي على مقابل أو منفعة لنفسه أو لغيره لقاء القيام بعمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عنه، كما تتناول الممارسات الاحتيالية والتواطئية في الصفقات.

وفي 2025، عرضت الجهات المختصة دراسة لرسم خريطة مخاطر الفساد في الصفقات العمومية، في خطوة تستهدف تحديد مكامن المخاطر وتعزيز أدوات الوقاية والرقابة.

لماذا لا تكون الرقابة سنوية؟

ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً هو: لماذا تنتظر الرقابة ظهور شبهات حول ثروة مسؤول ما حتى تبدأ عملية التحقق؟
يمكن أن تبدأ المتابعة منذ لحظة التعيين، من خلال تثبيت الوضع المالي للمسؤول باعتباره «خط أساس»، ثم تحديث البيانات بصورة دورية، ويفضل أن يكون ذلك مرة واحدة سنوياً، على الأقل، بالنسبة لكبار المسؤولين، مع مراجعة نهائية عند انتهاء المهمة.

ولا تعني المتابعة السنوية فتح تحقيق تلقائي مع كل مسؤول، وإنما إجراء مقارنة مالية وقانونية بين:

– الدخل المشروع؛
– الأصول الجديدة؛
– القروض والديون؛
– الاستثمارات والمساهمات؛
– عمليات بيع أو شراء الأصول؛
– الميراث والهبات المصرح بها؛
– ومصادر تمويل الممتلكات التي ظهرت خلال فترة تولي المسؤولية.

وبقدر ما يسمح به القانون، يمكن أن تستفيد أجهزة الرقابة من الربط بين المعطيات العقارية والتجارية والضريبية والمصرفية والمرتبطة بالصفقات العمومية، بما يساعد على تكوين صورة أكثر دقة عن تطور الثروة.

السؤال الذي لا ينبغي تأجيله

لا ينبغي أن يتحول التحقيق في ثروة المسؤولين إلى محاكمة إعلامية، كما لا ينبغي أن يصبح امتلاك عقار أو سيارة دليلاً تلقائياً على الفساد.

لكن في المقابل، فإن مكافحة الفساد تفقد جزءاً كبيراً من فعاليتها إذا اكتفت بتسجيل ممتلكات المسؤول عند دخوله المنصب، ثم انتظرت إلى أن يغادره لتكتشف ما طرأ على ثروته.

فالسؤال الأكثر بساطة وموضوعية هو ماذا كان يملك المسؤول يوم تعيينه؟ وماذا أصبح يملك بعد سنة أو سنتين أو ثلاث؟ وكيف موّل الفرق بين الوضعين؟

إذا كانت الزيادة ناتجة عن ميراث أو استثمار أو بيع أصول أو قرض مصرفي أو أي مصدر مشروع آخر، فينبغي أن تكون قادرة على إثبات نفسها بالوثائق.

أما إذا ظهرت زيادة كبيرة في الثروة لا تجد تفسيراً واضحاً في الدخل المشروع والمصادر المعلنة، فهنا تبدأ المهمة الحقيقية لأجهزة الرقابة والتفتيش.

فمكافحة الإثراء غير المشروع لا تعني افتراض أن كل ثراء فسادا، وإنما تعني التأكد من أن كل زيادة كبيرة في ثروة من يتولى مسؤولية عامة قابلة للتفسير والإثبات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى