مقالات وآراء

نصف قرن من المحسوبية… وطن يحكم بالمحاصصة والولاءات

من أخطر ماتواجهه الأوطان تحول الدولة إلى مزرعة، ولا أشد فتكا بمستقبل الشعوب من أن تصبح الوظيفة العمومية غنيمة تتقاسمها شبكات الولاء، بينما يقصى أصحاب الكفاءة لأن أسماءهم لا تنتمي إلى العائلة المناسبة، أو القبيلة النافذة، أو الجهة المحظوظة.
منذ عام 1978، والبلاد تدور في الحلقة المفرغة نفسها. تتغير الوجوه، وتتبدل الشعارات، لكن آليات الحكم تكاد تكون نسخة مكررة من نفسها: محاباة بدل المنافسة، ومحسوبية بدل الاستحقاق، وولاءات ضيقة تقدم على مصلحة الوطن. حتى غدت الكفاءة استثناء يحتاج إلى تبرير، بينما أصبح النفوذ هو القاعدة التي لا تحتاج إلى تفسير!!

لقد أُنهكت الدولة بسياسات جعلت الانتماء أهم من الإنجاز، والقرابة أقوى من القانون، والولاء الشخصي أسبق من الولاء للوطن. وهكذا تشكلت طبقة تعتقد أن الدولة إرث عائلي، وأن المناصب امتياز خاص، وأن المال العام مجرد مورد لتغذية شبكات النفوذ والثراء الشخصي.
ثم يخرج علينا من يحدثنا عن المساواة وتكافؤ الفرص!

أي مساواة هذه، والميزان مختل منذ البداية؟ وأي عدالة، والسباق لا ينطلق من خط واحد؟ كيف يطلب من الشباب أن يؤمنوا بالكفاءة، وهم يرون أبواب الفرص تفتح بالمحسوبية قبل أن تفتح بالشهادات والخبرة؟
إذا كانت الدولة عاجزة عن فرض معيار واحد يسري على الجميع، فلتكن صريحة مع شعبها. لا تتحدثوا عن دولة المؤسسات، بل أعلنوها دولة محاصصة؛ لأن المحاصصة لا تبدأ عندما تطالب المكونات الاجتماعية بحقوقها، وإنما تبدأ يوم يصبح الانتماء القبلي أو العائلي أو الجهوي مفتاحا للسلطة والثروة والوظيفة.
لا يمكن إدانة المحاصصة العلنية، بينما تمارس بطريقة مقنعة كل يوم. ولا يمكن رفض تقاسم الفرص على أساس المكونات، في الوقت الذي تحتكر فيه تلك الفرص داخل دوائر النفوذ التقليدية الضيقة . فالتمييز، مهما تغيّر اسمه، يبقى تمييزا، والظلم، مهما ارتدى من أقنعة، يظل ظلما.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الدولة التي تدار بمنطق الولاءات لا تستطيع أن تنتج إدارة قوية، ولا اقتصادا تنافسيا، ولا مجتمعا متماسكا. إنها تنتج موظفا مدينا لمن عينه، لا للوطن، ومسؤولا يخشى إرضاء صاحب النفوذ أكثر من حرصه على خدمة المواطنين.
إن الوطن لا يحتاج إلى إعادة توزيع الامتيازات بين شبكات النفوذ،والواجهاة العتيقة ،بل يحتاج إلى ثورة في مفهوم الدولة نفسها؛ ثورة تجعل القانون فوق الجميع، والكفاءة فوق كل اعتبار، والمواطنة هي الهوية الوحيدة التي تمنح الحق في الوصول إلى المسؤولية.
أما الاستمرار في تدوير المنظومة نفسها، وإعادة إنتاج العقليات ذاتها، فلن يقود إلا إلى مزيد من الإحباط، واتساع فجوة الثقة بين الدولة ومواطنيها. فالأوطان تنهار عندما ينهب المال العام ،ويسود الظلم والفقر والحرمان.، وعندما يغتال الإستحقاق، ويشعر المواطن أن مستقبله تحدده قبيله او شريحة أكثر مما تحدده كفاءته.وخبرته.
لقد ن الأوان للاختيار:
▪︎ إما دولة يحكمها معيار واحد هو الكفاءة والنزاهة،
▪︎ وإما الاعتراف بأننا لا نزال أسرى منظومة تقاس فيها قيمة المواطن بما يحيط به من نفوذ، لا بما يملكه من علم وقدرة. وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل الوطن، لا مستقبل الحكومات فقط.

محمد عبد الرحمن ولد عبد الله
كاتب : صحفي medabd388@gmail

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى