مقالات وآراء

الإرث الإنساني بين الادعاء السياسي وسؤال الدليل الغائب

الأستاذ إبراهيم بلال رمضان، قرأتُ مقالكم المعنون: “الإرث الإنساني بين الرافضين للظلم والمطالبين باستمراره”، ووجدتُ نفسي أمام نصٍّ يطرح أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة، ويطلق أحكامًا أكثر مما يقدم براهين.
فأنتم تتحدثون بثقة عن “وضوح نية النظام الحالي في عدم تحديد المسؤوليات والاستعاضة عن ذلك بترضيات وتعويضات مادية”، ثم تبنون على ذلك اتهامًا لأصحاب الوثيقة الوطنية بأنهم يقفون في وجه الحل الذي تريده الدولة. وهنا يبرز سؤال مشروع: من أين حصلتم على هذه المعلومة؟ هل صدر موقف رسمي يحدد طبيعة الحل الذي تعتزم الدولة اعتماده؟ وهل أُعلن أن الوثيقة الوطنية تعارض هذا التوجه؟ أم أن الأمر مجرد استنتاج شخصي جرى تقديمه وكأنه حقيقة ثابتة؟
إن من حق أي كاتب أن يبدي رأيه، لكن ليس من حقه أن ينسب إلى الدولة مواقف وخططًا لم تعلنها، ثم يبني عليها اتهامات سياسية وأخلاقية لمخالفيه.
ولعل التناقض الأبرز في مقالتكم أنكم تدعون إلى تجاوز الإقصاء وبناء وطن المواطنة، ثم تمضون في تحميل تيار فكري وسياسي بأكمله مسؤولية أحداث تاريخية معقدة، دون تقديم دليل موثق على هذه المسؤولية الجماعية. فكيف يمكن التوفيق بين الدعوة إلى المواطنة وبين إدانة مجموعات كاملة على أساس انتمائها الفكري؟
لقد وصفتم الوثيقة الوطنية بأنها “بيان شرائحي”، بينما تجاهلتم مضمونها الفعلي. فالوثيقة لم تنكر ما تعرض له ضحايا أحداث 1989 و1990 و1991، ولم تدعُ إلى إسقاط حقوقهم أو إهمال معاناتهم، وإنما دعت إلى مقاربة وطنية شاملة لمعالجة جميع المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان التي عرفتها البلاد.
وهنا يبرز إشكال جوهري في مفهوم “الإرث الإنساني” كما ورد في مقالتكم. فأنتم تتعاملون معه وكأنه الإطار الوحيد المشروع للحديث عن المظالم، مع أن هذا المصطلح نفسه محل نقاش واختلاف. فالإرث الإنساني، في التداول السياسي الموريتاني، يشير أساسًا إلى الانتهاكات التي تعرض لها بعض أفراد مجموعة “اتكارير” خلال فترة معينة من تاريخ البلاد. أما المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان فهي أوسع من ذلك بكثير، وتشمل كل الانتهاكات التي تعرض لها المواطنون، أفرادًا وجماعات، بغض النظر عن انتماءاتهم وأزمنة وقوع تلك الانتهاكات.
ومن هنا جاءت الوثيقة الوطنية لتؤكد أن بناء ذاكرة وطنية جامعة لا يمكن أن يتم عبر حصر الضحايا في فئة واحدة أو مرحلة واحدة، بل من خلال الاعتراف بكل الضحايا وكل المظالم، ووضعها في إطار وطني موحد يقوم على المساواة والإنصاف.
إن أخطر ما في مقالتكم ليس دفاعكم عن ضحايا أحداث نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، فذلك حق مشروع، وإنما محاولتكم تصوير كل دعوة إلى شمولية المعالجة على أنها مؤامرة لإخفاء الحقيقة أو حماية الجناة. وهذه قفزة استنتاجية لا يسندها دليل.
فإذا كانت الوثيقة الوطنية تدعو إلى معالجة جميع انتهاكات حقوق الإنسان التي تضرر منها المواطنون بسبب آرائهم السياسية أو ارتباطهم بمحاولات تغيير السلطة أو بسبب توترات إقليمية أثرت عليهم، فأين في ذلك ما يبرر اتهام أصحابها بالسعي إلى الإفلات من العقاب؟ وأين الدليل على أن الموقعين عليها يدافعون عن الجرائم أو يبررونها؟
إن العدالة لا تتعارض مع الشمول، والإنصاف لا يتناقض مع المساواة. بل إن العدالة الحقيقية تقتضي أن يُنظر إلى جميع الضحايا بعين واحدة، وألا تتحول بعض المآسي الوطنية إلى مظالم معترف بها، بينما تبقى مآسٍ أخرى خارج دائرة الاهتمام لأنها لا تخدم رواية سياسية بعينها.
وأخيرًا، فإن الاختلاف حول مقاربات الحل لا يبرر تخوين المخالفين ولا اتهامهم بالوقوف ضد العدالة. فالوطن يتسع لأكثر من رأي، والحقيقة لا يحتكرها أحد، والمصالحة الوطنية الجادة لا يمكن أن تقوم على الانتقائية، بل على الاعتراف المتبادل والإنصاف الشامل واحترام حق الجميع في طرح تصوراتهم لمعالجة جراح الماضي.
ولذلك فإن الوثيقة الوطنية لا تقف في وجه الحل كما تزعمون، بل تسعى إلى توسيع دائرة العدالة حتى لا يبقى أي ضحية خارجها، وإلى بناء مقاربة وطنية تتجاوز منطق التصنيف والتجزئة نحو أفق أرحب من الإنصاف والمصالحة.

سيدي محمد ولداخليفه

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى